الكاتب : عبد العزيز كوكاس
أراه أشبه بقابلة للحكايات. يعرف أن في ذاكرة محاوره كلامًا لم يجد بعد طريقه إلى الولادة، فيقترب منه بصبر وبراعة، يمنحه الأمان، ويتلمّس معه أول الخيط. هناك حكايات تتعثر لأن أصحابها لا يظنون أن حياتهم جديرة بأن تُروى.. اعتادوا أن يكون الكلام لغيرهم، وأن يمرّوا هم في خلفية الصورة. يحتاج هؤلاء إلى من يُشعرهم بأن ما عاشوه يستحق الإصغاء. وفي هذا، تبدو لي موهبة عاطر بالغة الرهافة: يجعل الإنسان يستأنس بصوته، وحين يستأنس الإنسان بصوته، يستعيد شيئًا من مكانته في العالم. إنه يساعد الناس البسطاء على أن يرووا حياتهم ببلاغتهم الخاصة بتلقائياتها بعيوبها البنيوية وأخطائها في النطق وهي تنتقل من الفرنسية إلى العربية أو من الفصحى إلى الدارجة.
إن حظوظ معظم محاوريه من التعليم النظامي محدودة، لكن الحياة سكنتهم طويلًا، وكتبت دروسها في الذاكرة والجسد. يعرفون ما تفعله سنة شحيحة ببيت، وما تتركه خصومة في عائلة، وكيف تُقرأ الوجوه في السوق، وكيف يُستر الوجع بنكتة. وفي كلامهم معرفة لا تقدّم نفسها باعتبارها معرفة، تأتي في مَثَل، وفي التفاتة، وفي تفصيل يمرّ سريعًا، لكنه يحمل وراءه عمرًا كاملًا. عاطر يملك الحس الذي يلتقط هذا التفصيل، ويعرف كيف يمنحه فرصة أن يتفتح، وأن يعبر عن نفسه ببلاغة خاصة وبصدق أوفر.
وتلك، عندي، إحدى فضائل الصحافي حين يسنده الفنان: يسمع في كل جواب إمكان حكاية، وفي التردد معنى، وفي العبارة المألوفة إيقاعًا لم نعد ننتبه إليه. يعرف أن السؤال الجيد قد يكون صغيرا إلى حد يكاد يختفي، وأن الإصغاء نفسه قادر على دفع الكلام إلى أبعد مما تدفعه الأسئلة الكثيرة. ثمة صنعة في هذه الخفة، صنعة ناضجة "ديال المعلمين" تبلغ من الإتقان حدّ أن تبدو طبيعة.
حتى ما قد تسمعه أذن متعجلة بوصفه لغة «عروبية»، أجد وراءه إحساسًا فنيًا باللغة: بمواقع كلماتها، وحرارة صورها، والمسافة بين المعنى الظاهر وما يغمز من خلفه. للكلمة هنا تربة خرجت منها، وأفواه تداولتها، وتجارب صقلتها. وقد تختزن عبارة قروية قصيرة ما تحتاج لغة متأنقة إلى فقرة كاملة كي تقاربه. ومن يصغي إلى هذه اللغة بشيء من التواضع يدرك مقدار ما تفقده حين تُنتزع من نبرتها أو تُقاس بمسطرة الوجاهة الاجتماعية.
وأحسب أن جانبًا من سحر محمد عاطر يكمن في هذا الاختيار: يسمح للغة أن تأتي بثياب أهلها. يمنحها حقها في الالتواء الجميل، وفي المبالغة، وفي التلميح، وفي تلك القدرة المغربية العجيبة على قول الأمر ونقيضه داخل جملة واحدة، مع ترك الحكم لذكاء السامع. هنا تسكن سخرية عميقة، عارفة بما بين ظاهر الناس وباطنهم، وبما بين ادعاء القوة وهشاشة الإنسان. سخرية نضجت في معاشرة الحياة، واكتسبت منها ضحكتها ومرارتها الخفيفة.
ما أحبّه في هذه التجربة أن الضحك يُبقي المحاور قريبًا مني. أشعر بألفة معه، وبأن في طريقته في الفهم والتدبير والمراوغة شيئًا أعرفه في نفسي وفي أهلي. وهذه قرابة يصنعها فن صعب، فبين المزاح الذي يفتح الإنسان والمزاح الذي يجرحه مسافة دقيقة، تتطلب حسًا أخلاقيًا بقدر ما تتطلب براعة فنية. حين يحتفظ صاحب الحكاية بكرامته داخل الضحكة، يصبح الضحك شكلًا من أشكال الاعتراف به.
ومن هنا أفهم الخدمة البليغة التي يقدمها عاطر للتراث المغربي وللذاكرة الوطنية. فالذاكرة تسكن أيضا في طرائق الناس في الكلام: كيف يصفون البخل، وكيف يروون الخيبة، وبأي صورة يسمّون الحيلة، وكيف يخففون ثقل مصيبة بعبارة تضحك السامع وفي حلق قائلها غصة. تحفظ هذه التفاصيل تاريخ الحساسية المغربية.. أي كيف شعر الناس بما جرى لهم، وكيف احتملوه، وكيف أعادوا روايته كي يستطيعوا مواصلة العيش.
وتلك طبقة من تاريخنا يصعب تعويضها حين تضيع. يموت إنسان فتغيب معه أسماء وأمثال ونبرات، وطريقة مخصوصة في ترتيب العالم داخل حكاية. لذلك أرى في إتاحة الكلام لهؤلاء الناس فعل حفظ عميقًا. يمنحهم الميكروفون امتدادًا خارج مجلسهم الصغير، ويمنحنا فرصة أن نعرف بلدنا من داخل أصوات أبنائه. هكذا يصبح التراث حاضرًا يتنفس، وتصبح الذاكرة علاقة بين من عاش ومن يصغي.
أستمع إلى محمد عاطر، فأشعر بالامتنان لذلك الفنان الذي يعرف كيف يُخفي الجهد في العفوية، وللصحافي الذي يدرك أن الإنسان قد يحمل أهم ما عنده في كلام يحسبه هو نفسه قليل الأهمية. يوقظ الحكاية برفق، ويترك لها أن تحمل إلينا حكمة صاحبها وضعفه وظرفه، وما بقي على أطراف ذاكرته من غبار الطريق.
لهذا أضحك معه بكل ذلك الاندفاع. وفي أعقاب الضحك، يبقى شيء أعمق: حنان نحو هؤلاء الناس، ورغبة في أن يواصلوا الكلام. كأن محمد عاطر يقرّب كرسيًا، في مجلس الذاكرة الوطنية، لمن قضوا أعمارهم واقفين عند الباب، ثم يجلس إلى جوارهم، ويسأل سؤالًا صغيرًا، فتبدأ البلاد في الحكي ونشم "ريحة الدوار" وروح المغرب.
إن حظوظ معظم محاوريه من التعليم النظامي محدودة، لكن الحياة سكنتهم طويلًا، وكتبت دروسها في الذاكرة والجسد. يعرفون ما تفعله سنة شحيحة ببيت، وما تتركه خصومة في عائلة، وكيف تُقرأ الوجوه في السوق، وكيف يُستر الوجع بنكتة. وفي كلامهم معرفة لا تقدّم نفسها باعتبارها معرفة، تأتي في مَثَل، وفي التفاتة، وفي تفصيل يمرّ سريعًا، لكنه يحمل وراءه عمرًا كاملًا. عاطر يملك الحس الذي يلتقط هذا التفصيل، ويعرف كيف يمنحه فرصة أن يتفتح، وأن يعبر عن نفسه ببلاغة خاصة وبصدق أوفر.
وتلك، عندي، إحدى فضائل الصحافي حين يسنده الفنان: يسمع في كل جواب إمكان حكاية، وفي التردد معنى، وفي العبارة المألوفة إيقاعًا لم نعد ننتبه إليه. يعرف أن السؤال الجيد قد يكون صغيرا إلى حد يكاد يختفي، وأن الإصغاء نفسه قادر على دفع الكلام إلى أبعد مما تدفعه الأسئلة الكثيرة. ثمة صنعة في هذه الخفة، صنعة ناضجة "ديال المعلمين" تبلغ من الإتقان حدّ أن تبدو طبيعة.
حتى ما قد تسمعه أذن متعجلة بوصفه لغة «عروبية»، أجد وراءه إحساسًا فنيًا باللغة: بمواقع كلماتها، وحرارة صورها، والمسافة بين المعنى الظاهر وما يغمز من خلفه. للكلمة هنا تربة خرجت منها، وأفواه تداولتها، وتجارب صقلتها. وقد تختزن عبارة قروية قصيرة ما تحتاج لغة متأنقة إلى فقرة كاملة كي تقاربه. ومن يصغي إلى هذه اللغة بشيء من التواضع يدرك مقدار ما تفقده حين تُنتزع من نبرتها أو تُقاس بمسطرة الوجاهة الاجتماعية.
وأحسب أن جانبًا من سحر محمد عاطر يكمن في هذا الاختيار: يسمح للغة أن تأتي بثياب أهلها. يمنحها حقها في الالتواء الجميل، وفي المبالغة، وفي التلميح، وفي تلك القدرة المغربية العجيبة على قول الأمر ونقيضه داخل جملة واحدة، مع ترك الحكم لذكاء السامع. هنا تسكن سخرية عميقة، عارفة بما بين ظاهر الناس وباطنهم، وبما بين ادعاء القوة وهشاشة الإنسان. سخرية نضجت في معاشرة الحياة، واكتسبت منها ضحكتها ومرارتها الخفيفة.
ما أحبّه في هذه التجربة أن الضحك يُبقي المحاور قريبًا مني. أشعر بألفة معه، وبأن في طريقته في الفهم والتدبير والمراوغة شيئًا أعرفه في نفسي وفي أهلي. وهذه قرابة يصنعها فن صعب، فبين المزاح الذي يفتح الإنسان والمزاح الذي يجرحه مسافة دقيقة، تتطلب حسًا أخلاقيًا بقدر ما تتطلب براعة فنية. حين يحتفظ صاحب الحكاية بكرامته داخل الضحكة، يصبح الضحك شكلًا من أشكال الاعتراف به.
ومن هنا أفهم الخدمة البليغة التي يقدمها عاطر للتراث المغربي وللذاكرة الوطنية. فالذاكرة تسكن أيضا في طرائق الناس في الكلام: كيف يصفون البخل، وكيف يروون الخيبة، وبأي صورة يسمّون الحيلة، وكيف يخففون ثقل مصيبة بعبارة تضحك السامع وفي حلق قائلها غصة. تحفظ هذه التفاصيل تاريخ الحساسية المغربية.. أي كيف شعر الناس بما جرى لهم، وكيف احتملوه، وكيف أعادوا روايته كي يستطيعوا مواصلة العيش.
وتلك طبقة من تاريخنا يصعب تعويضها حين تضيع. يموت إنسان فتغيب معه أسماء وأمثال ونبرات، وطريقة مخصوصة في ترتيب العالم داخل حكاية. لذلك أرى في إتاحة الكلام لهؤلاء الناس فعل حفظ عميقًا. يمنحهم الميكروفون امتدادًا خارج مجلسهم الصغير، ويمنحنا فرصة أن نعرف بلدنا من داخل أصوات أبنائه. هكذا يصبح التراث حاضرًا يتنفس، وتصبح الذاكرة علاقة بين من عاش ومن يصغي.
أستمع إلى محمد عاطر، فأشعر بالامتنان لذلك الفنان الذي يعرف كيف يُخفي الجهد في العفوية، وللصحافي الذي يدرك أن الإنسان قد يحمل أهم ما عنده في كلام يحسبه هو نفسه قليل الأهمية. يوقظ الحكاية برفق، ويترك لها أن تحمل إلينا حكمة صاحبها وضعفه وظرفه، وما بقي على أطراف ذاكرته من غبار الطريق.
لهذا أضحك معه بكل ذلك الاندفاع. وفي أعقاب الضحك، يبقى شيء أعمق: حنان نحو هؤلاء الناس، ورغبة في أن يواصلوا الكلام. كأن محمد عاطر يقرّب كرسيًا، في مجلس الذاكرة الوطنية، لمن قضوا أعمارهم واقفين عند الباب، ثم يجلس إلى جوارهم، ويسأل سؤالًا صغيرًا، فتبدأ البلاد في الحكي ونشم "ريحة الدوار" وروح المغرب.
الرئيسية















