عدنان بنشقرون
نعيش زمناً نكثر فيه من الكلام، لكننا نتحمّل فيه مسؤولية ما نقوله بشكل متناقص. زمناً لم تعد فيه الكلمة التزاماً، بل فرضية قابلة للتراجع. هذا العارض حاضر في كل مكان: في السياسة، على شبكات التواصل الاجتماعي، في النقاشات الثقافية، وحتى في الأحاديث اليومية. ويتجسّد في عبارات أصبحت شبه آلية: «لم أقصد ذلك»، «أسيء فهمي»، «أُخرج الكلام من سياقه». المشكلة هنا ليست في سوء نية الأفراد، بل في خلل بنيوي أعمق، يتعلق بعلاقتنا الجماعية باللغة.
في الماضي، كان الكلام فعلاً. أن تقول يعني أن تتخذ موقفاً. والكتابة، على وجه الخصوص، كانت تعني تثبيت الفكرة في الزمن، وقبول أن تُقرأ من جديد، وأن تُنتقد، وأن تُعارَض. اليوم، تميل الكلمة إلى أن تكون سائلة. تنتقل بسرعة، تتبدل، تُصحّح في الزمن الحقيقي، من دون أن تستقر نهائياً. هذا التحول ليس بريئاً، إذ يجعل المسؤولية متغيرة وقابلة للتكييف.
في السياسة، هذا السلوك قديم لكنه تسارع بشكل واضح. لم تعد الكلمة أداة للشرح أو الإقناع فقط، بل أصبحت وسيلة للاختبار والاستفزاز واحتلال الفضاء العام. التصريح المثير للجدل يتحول إلى ما يشبه «بالون اختبار». إن كانت ردود الفعل قوية، يتم التراجع: «لم أقصد هذا المعنى». وإن مرّ الكلام بسلام، يتم تثبيته. لم تعد اللغة عقداً مع المواطن، بل مادة تكتيكية. لا يتم إنكار المضمون بقدر ما يتم إنكار أثره، فالخطأ لا يكون في الكلمة، بل دائماً في تأويلها.
تعتمد هذه المنظومة على خلط مقصود بين النية والنتيجة. غير أن النية، في الفضاء العام، مسألة ثانوية، لأنها تنتمي إلى المجال النفسي الفردي. أما الأثر، فهو سياسي واجتماعي، وأحياناً رمزي العنف. فالكلمة قد تُقصي، أو تُطبع، أو تُشرعن، حتى لو لم تُقصد على هذا النحو. إنكار هذه الحقيقة يعني تبسيط النقاش العام حدّ الطفولة، وكأن على المواطنين أن يخمّنوا ما «كان في ذهن» المتحدث، لا أن يحاسبوه على ما قاله فعلياً.
الأدب، على العكس، يذكّرنا بحقيقة منسية: للكلمات وزن لأنها تنفلت من سيطرة أصحابها. النص الأدبي لا يشرح باستمرار ما «أراد قوله». إنه يقبل مخاطرة القراءة وتعدد التأويلات. لكن هذا التعدد لا يعني غياب المسؤولية، بل يفترض دقة قصوى في اختيار الكلمات. حيث يبحث الخطاب السياسي المعاصر عن مخارج طوارئ، يقبل الأدب بإغلاق بعض الأبواب.
هذا التباين يضيء مفارقة معاصرة: نحن نعيش في مجتمع مهووس باللغة—بعنفها، وإقصائها، وانحيازاتها—لكنه يرفض تحمّل نتائجها. وتجسّد «الجيل Z» هذه المفارقة بوضوح. فمن جهة، هناك وعي حاد بقوة الكلمات وقدرتها على الإيذاء أو الإخفاء أو تطبيع غير المقبول. ومن جهة أخرى، هناك تضخم دلالي دائم: كل شيء يصبح «عنيفاً» أو «سامّاً» أو «إشكالياً». تخسر الكلمات دقتها بقدر ما تكسب شحنة عاطفية.
هذه الحساسية اللغوية المفرطة تُنتج أثراً مزدوجاً. فهي تكشف جيلاً واعياً بعلاقات القوة الكامنة في اللغة، لكنها في الوقت نفسه تُضعف النقاش، لأن أي زلة لفظية قد تصبح سبباً للإقصاء. في هذا السياق، تتحول عبارة «لم أقصد ذلك» إلى طلب للعفو الأخلاقي أكثر منها محاولة لتوضيح المعنى. لم يعد الهدف إعادة بناء الدلالة، بل حماية الهوية.
وقد دفعت شبكات التواصل الاجتماعي هذا المنطق إلى حدّه الأقصى. فهي أنشأت فضاءً تكون فيه الكلمة فورية وقابلة للأرشفة، عاطفية وقابلة للتفكيك في آن واحد. نتحدث فيها كما لو كنا في خطاب شفهي، لكننا نُحاسَب كما لو كنا كتبنا نصاً. ومن هنا تتكاثر استراتيجيات الالتفاف: فيديوهات توضيحية، اعتذارات استعراضية، سلاسل طويلة من التبرير. تختفي الكلمة الأولى تحت وطأة الدفاع عنها. لم نعد نناقش ما قيل، بل ما كان ينبغي أن يُفهم.
في هذا المشهد، أصبح الشفهي ملاذاً. يُفضَّل لأنه يترك هوامش: نبرة الصوت، الابتسامة، السخرية، العفوية. يسمح دائماً بالقول لاحقاً: «أنتم لم تفهموني». يبيح الغموض والتناقض أحياناً. حيث يفرض المكتوب قدراً من الوضوح، يسمح الشفهي بالملاحة دون بوصلة. المشكلة ليست في الشفهي ذاته—فهو شكل نبيل من أشكال التواصل—بل في استخدامه الاستراتيجي للهروب من ثبات المعنى.
ولهذا التحول نتيجة عميقة: تنتقل المسؤولية اللغوية من المتكلم إلى المتلقي. لم يعد المطلوب من المتحدث أن يكون دقيقاً، بل من المستمع أن يكون متسامحاً في الفهم. يتبدل موقع الخطأ. لكن مجتمعاً يقوم على هذا الأساس يضعف فضاءه المشترك. فبدون كلمات مستقرة نسبياً، لا يعود هناك خلاف حقيقي، بل سلسلة لا تنتهي من سوء الفهم.
المسألة، إذن، ليست مسألة رقابة ولا حرية تعبير بلا حدود، بل مسألة نضج ديمقراطي. تحمّل المسؤولية عن الكلمات يعني القبول بأن لها آثاراً لم نكن نتوقعها بالكامل. ويعني الاعتراف بأن الكلام في الفضاء العام ليس مسودة، بل فعل. وأن التوضيح لا يبدأ بقول «أسيء فهمي»، بل بـ«لم أُحسن التعبير».
إعادة الاعتبار لوزن الكلمات لا تعني تقديسها، بل الاعتراف بأنها تُلزم، وتبني النقاش، وتصوغ المخيال الجماعي. والإفراط في الاحتماء بالشفهي وبالنية وبالسياق المفترض يعرّضنا لخطر أخطر من الصراع نفسه: تآكل الثقة. ومن دون ثقة في الكلمة، لا يبقى سوى الضجيج.
وفي عالم مشبع بالخطابات، لا يكون الصمت دائماً هزيمة. قد يكون أحياناً الشرط الأول لكلمة أكثر عدلاً.
في الماضي، كان الكلام فعلاً. أن تقول يعني أن تتخذ موقفاً. والكتابة، على وجه الخصوص، كانت تعني تثبيت الفكرة في الزمن، وقبول أن تُقرأ من جديد، وأن تُنتقد، وأن تُعارَض. اليوم، تميل الكلمة إلى أن تكون سائلة. تنتقل بسرعة، تتبدل، تُصحّح في الزمن الحقيقي، من دون أن تستقر نهائياً. هذا التحول ليس بريئاً، إذ يجعل المسؤولية متغيرة وقابلة للتكييف.
في السياسة، هذا السلوك قديم لكنه تسارع بشكل واضح. لم تعد الكلمة أداة للشرح أو الإقناع فقط، بل أصبحت وسيلة للاختبار والاستفزاز واحتلال الفضاء العام. التصريح المثير للجدل يتحول إلى ما يشبه «بالون اختبار». إن كانت ردود الفعل قوية، يتم التراجع: «لم أقصد هذا المعنى». وإن مرّ الكلام بسلام، يتم تثبيته. لم تعد اللغة عقداً مع المواطن، بل مادة تكتيكية. لا يتم إنكار المضمون بقدر ما يتم إنكار أثره، فالخطأ لا يكون في الكلمة، بل دائماً في تأويلها.
تعتمد هذه المنظومة على خلط مقصود بين النية والنتيجة. غير أن النية، في الفضاء العام، مسألة ثانوية، لأنها تنتمي إلى المجال النفسي الفردي. أما الأثر، فهو سياسي واجتماعي، وأحياناً رمزي العنف. فالكلمة قد تُقصي، أو تُطبع، أو تُشرعن، حتى لو لم تُقصد على هذا النحو. إنكار هذه الحقيقة يعني تبسيط النقاش العام حدّ الطفولة، وكأن على المواطنين أن يخمّنوا ما «كان في ذهن» المتحدث، لا أن يحاسبوه على ما قاله فعلياً.
الأدب، على العكس، يذكّرنا بحقيقة منسية: للكلمات وزن لأنها تنفلت من سيطرة أصحابها. النص الأدبي لا يشرح باستمرار ما «أراد قوله». إنه يقبل مخاطرة القراءة وتعدد التأويلات. لكن هذا التعدد لا يعني غياب المسؤولية، بل يفترض دقة قصوى في اختيار الكلمات. حيث يبحث الخطاب السياسي المعاصر عن مخارج طوارئ، يقبل الأدب بإغلاق بعض الأبواب.
هذا التباين يضيء مفارقة معاصرة: نحن نعيش في مجتمع مهووس باللغة—بعنفها، وإقصائها، وانحيازاتها—لكنه يرفض تحمّل نتائجها. وتجسّد «الجيل Z» هذه المفارقة بوضوح. فمن جهة، هناك وعي حاد بقوة الكلمات وقدرتها على الإيذاء أو الإخفاء أو تطبيع غير المقبول. ومن جهة أخرى، هناك تضخم دلالي دائم: كل شيء يصبح «عنيفاً» أو «سامّاً» أو «إشكالياً». تخسر الكلمات دقتها بقدر ما تكسب شحنة عاطفية.
هذه الحساسية اللغوية المفرطة تُنتج أثراً مزدوجاً. فهي تكشف جيلاً واعياً بعلاقات القوة الكامنة في اللغة، لكنها في الوقت نفسه تُضعف النقاش، لأن أي زلة لفظية قد تصبح سبباً للإقصاء. في هذا السياق، تتحول عبارة «لم أقصد ذلك» إلى طلب للعفو الأخلاقي أكثر منها محاولة لتوضيح المعنى. لم يعد الهدف إعادة بناء الدلالة، بل حماية الهوية.
وقد دفعت شبكات التواصل الاجتماعي هذا المنطق إلى حدّه الأقصى. فهي أنشأت فضاءً تكون فيه الكلمة فورية وقابلة للأرشفة، عاطفية وقابلة للتفكيك في آن واحد. نتحدث فيها كما لو كنا في خطاب شفهي، لكننا نُحاسَب كما لو كنا كتبنا نصاً. ومن هنا تتكاثر استراتيجيات الالتفاف: فيديوهات توضيحية، اعتذارات استعراضية، سلاسل طويلة من التبرير. تختفي الكلمة الأولى تحت وطأة الدفاع عنها. لم نعد نناقش ما قيل، بل ما كان ينبغي أن يُفهم.
في هذا المشهد، أصبح الشفهي ملاذاً. يُفضَّل لأنه يترك هوامش: نبرة الصوت، الابتسامة، السخرية، العفوية. يسمح دائماً بالقول لاحقاً: «أنتم لم تفهموني». يبيح الغموض والتناقض أحياناً. حيث يفرض المكتوب قدراً من الوضوح، يسمح الشفهي بالملاحة دون بوصلة. المشكلة ليست في الشفهي ذاته—فهو شكل نبيل من أشكال التواصل—بل في استخدامه الاستراتيجي للهروب من ثبات المعنى.
ولهذا التحول نتيجة عميقة: تنتقل المسؤولية اللغوية من المتكلم إلى المتلقي. لم يعد المطلوب من المتحدث أن يكون دقيقاً، بل من المستمع أن يكون متسامحاً في الفهم. يتبدل موقع الخطأ. لكن مجتمعاً يقوم على هذا الأساس يضعف فضاءه المشترك. فبدون كلمات مستقرة نسبياً، لا يعود هناك خلاف حقيقي، بل سلسلة لا تنتهي من سوء الفهم.
المسألة، إذن، ليست مسألة رقابة ولا حرية تعبير بلا حدود، بل مسألة نضج ديمقراطي. تحمّل المسؤولية عن الكلمات يعني القبول بأن لها آثاراً لم نكن نتوقعها بالكامل. ويعني الاعتراف بأن الكلام في الفضاء العام ليس مسودة، بل فعل. وأن التوضيح لا يبدأ بقول «أسيء فهمي»، بل بـ«لم أُحسن التعبير».
إعادة الاعتبار لوزن الكلمات لا تعني تقديسها، بل الاعتراف بأنها تُلزم، وتبني النقاش، وتصوغ المخيال الجماعي. والإفراط في الاحتماء بالشفهي وبالنية وبالسياق المفترض يعرّضنا لخطر أخطر من الصراع نفسه: تآكل الثقة. ومن دون ثقة في الكلمة، لا يبقى سوى الضجيج.
وفي عالم مشبع بالخطابات، لا يكون الصمت دائماً هزيمة. قد يكون أحياناً الشرط الأول لكلمة أكثر عدلاً.
الرئيسية














