كتاب الرأي

دلالات دعم تيمور الشرقية لمغربية الصحراء


على الأطراف المناوئة للمغرب أن تدرك أن الزمن لم يعد يعمل لصالح الانتظار، وأن الاستقرار والتنمية في المنطقة يمران عبر الاعتراف بالواقع السياسي والجغرافي، لا عبر إعادة إنتاج أزمات قديمة بخطابات بالية...



بقلم: عادل بن حمزة

في تحول لافت يسجل ضمن الدينامية الديبلوماسية المتسارعة حول قضية الصحراء المغربية، أعلن رئيس تيمور الشرقية جوزيه راموس-هورتا، خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2026، ترحيب بلاده بالمقترح المغربي للحكم الذاتي، وبقرار مجلس الأمن ذي الرقم 2797 الصادر في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2025. واعتبر الرئيس التيموري أن هذه التطورات توفر "فرصة للحوار" من أجل التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة بين المغرب وجبهة البوليساريو.

يكتسي هذا الموقف أهمية استثنائية، ليس فقط لأنه صدر عن دولة كانت لسنوات طويلة من أبرز الداعمين لطرح تقرير المصير الانفصالي، بل لأنه يأتي من رئيس يتمتع برمزية تاريخية كبيرة كأحد رموز نضال تيمور الشرقية من أجل الاستقلال؛ فالبلد الذي خرج من تحت الإدارة الأندونيسية عبر استفتاء أممي عام 1999، كان يستشهد به باستمرار في الخطاب الانفصالي كـ"نموذج" يحتذى، وقبل سنتين فقط كان زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي ضيفاً فوق العادة بمناسبة احتفالات تيمور الشرقية بذكرى الاستقلال. واليوم، يقف رئيسها في الأمم المتحدة ليقول إن المبادرة المغربية وقرار مجلس الأمن يشكلان أساساً عملياً للحوار، لا خياراً هامشياً.

هذا التحول يعكس قراءة واقعية للتطورات الأممية، فقد جعل قرار مجلس الأمن 2797 الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الواضح الوحيد للمفاوضات الرامية إلى حل سياسي عادل ودائم ومتوافق عليه. ودعا الأطراف إلى الانخراط في المناقشات من دون شروط مسبقة. ومع هذا القرار، انتهت عملياً مرحلة الغموض الاستراتيجي الذي كانت تستغله بعض الأطراف لتأجيل الحل إلى ما لا نهاية، خاصة عندما انطلق مسلسل التسوية بداية تسعينيات القرن الماضي، وبالأخص الأسباب التي أدت إلى تعثر مسلسل تحديد الهوية لإجراء الاستفتاء كما كان مبرمجاً.


وهنا تبرز أهمية التذكير بتجربة تيمور الشرقية ذاتها. ففي استفتاء 1999، لم تلجأ الأمم المتحدة إلى أي "قائمة مسبقة" للناخبين. فتحت تسجيلاً جديداً بالكامل، واعتمدت مبدأ بسيطاً: كل من ينتمي إلى الشعب التيموري له الحق في التسجيل، سواء أكان في داخل الإقليم أم في الشتات. وتم تسجيل 433576 ناخباً في داخل الإقليم خلال 22 يوماً فقط، إضافة إلى ناخبين في 13 موقعاً دولياً، ليصل المجموع إلى 446666 شخصاً. لم يكن هناك نزاع حول تعريف الهوية الانتخابية لأن التعريف كان متوافقا عليه. أما في ملف الصحراء، فقد ظل شرط "تحديد الهوية" عائقاً مزمناً استُغلّ لعقود لعرقلة أيّ مسار توافقي، حيث خلصت الأمم المتحدة إلى استحالة خيار الاستفتاء.

ما لم تفهمه الجبهة الانفصالية، وشكّل خطيئتها الاستراتيجية، هو أن القانون الدولي لم يفهم أبداً حق تقرير المصير بالتبسيط المخلّ الذي يختزله  الخطاب الانفصالي في خيار وحيد: الاستقلال عبر استفتاء ثنائي. فالأمم المتحدة لم تضع هذا الحق في تعارض مع وحدة الدول، بل اعتبرته قابلاً للتجسيد في داخلها من خلال الحكم الذاتي وتوسيع الحقوق السياسية والثقافية. التجارب التي يستشهد بها لتبرير الانفصال، مثل تيمور الشرقية وجنوب السودان، انتهت إلى أزمات عميقة ومعقدة، وها هي تيمور الشرقية نفسها اليوم تعلن دعمها لوجه آخر من وجوه تقرير المصير ألا وهو الحكم الذاتي، لأن التجربة التاريخية أثبتت أن لنماذج الحكم الذاتي داخل الدول، من فنلندا إلى إيطاليا وإسبانيا وإيرلندا الشمالية، قدرة أكبر على تحقيق الاستقرار والتنمية.

لذلك برز مقترح الحكم الذاتي المغربي كصيغة حديثة لتقرير المصير الداخلي؛ وهو ما أصبح اليوم، مع القرار 2797، توجهاً واضحاً لمجلس الأمن وللأمم المتحدة. إنه مساهمة جريئة في تطوير القانون الدولي وحماية حق الدول في وحدتها الترابية في مواجهة خطاب انفصالي يختزل تقرير المصير في مشروع تقسيم وتجزئة، وهو ما يشكل تهديداً جدياً للسلام والاستقرار في أكثر من منطقة حول العالم.

ويتزامن هذا التحول مع تطور آخر ذي دلالة. فقد استقبل سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة أول أمس ممثلي جبهة البوليساريو، وكتب في تغريدة على منصة "إكس": "التقيتُ بجبهة البوليساريو. لقد انتظر اللاجئون في مخيمات تندوف 50 سنة. إنهم يستحقون خيارات حقيقية، وليس عقداً آخر من الانتظار. إن أساس الحل مطروح على الطاولة"، أي الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، كحل وحيد، وعلى أساسه سيقع أي حوار. هذا الموقف يؤكد جدية واشنطن في الدفع نحو إغلاق الملف على المستوى الأممي بعدما كرس القرار 2797 الأساس المغربي للحل.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تراجع في الدعم الدولي للطرح الانفصالي، بل نهاية فعلية لخرافة تقرير المصير الذي يختزل في الاستقلال. تيمور الشرقية، التي كانت تقدم في دعاية البوليساريو كنموذج، تقول اليوم إن الحكم الذاتي هو الحل. والولايات المتحدة تؤكد أنه لا مجال لإضاعة مزيد من الوقت. ومجلس الأمن حدد الإطار. يبقى على الأطراف المناوئة للمغرب أن تدرك أن الزمن لم يعد يعمل لصالح الانتظار، وأن الاستقرار والتنمية في المنطقة يمران عبر الاعتراف بالواقع السياسي والجغرافي، لا عبر إعادة إنتاج أزمات قديمة بخطابات بالية لا تزال حبيسة الحرب الباردة.

 




الجمعة 2 أكتوبر 2026

في نفس الركن
< >

الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 - 14:49 رئيس حكومة في قاع الفنجان


              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic