أولى الرسائل التي أفرزها الاقتراع تتعلق بالمشاركة. فقد أعلنت وزارة الداخلية أن نسبة التصويت على الصعيد الوطني بلغت 38.08 في المائة، وهي نسبة تبدو محدودة قياساً بأهمية الانتخابات التشريعية، لكنها تحتاج إلى قراءة أوسع من مجرد مقارنة رقمية.
فالهيئة الناخبة ضمت 15.8 مليون مسجل، وكان من تجاوزوا سن الستين يمثلون أكثر من 29 في المائة من المسجلين، في حين لم تتجاوز حصة الفئة العمرية بين 18 و24 عاماً أربعة في المائة. وهذه الأرقام تكشف بدورها جانباً من طبيعة الجسم الانتخابي قبل الانتقال إلى نقاش العزوف عن التصويت.
أما الرسالة الثانية، فهي سياسية بامتياز. انتخابات 2026 عاقبت بعض المواقع الحزبية، لكنها لم تقلب المشهد رأساً على عقب. التجمع الوطني للأحرار سجل تراجعاً قوياً مقارنة بانتخابات 2021، والاستقلال خسر بدوره جزءاً من رصيده، بينما تقدم الأصالة والمعاصرة إلى الصدارة.
في المقابل، نجح العدالة والتنمية في تحقيق عودة قوية، بعدما انتقل من 13 مقعداً سنة 2021 إلى 54 مقعداً في 2026، ليشكل ذلك أحد أبرز التحولات التي حملها هذا الاستحقاق.
البرلمان الجديد سيكون، بالتالي، أقل خضوعاً لهيمنة ثلاثي الأغلبية السابقة، مع حضور أوضح للمعارضة. ومع ذلك، فإن الحسابات العددية تبقي إمكانية إعادة تشكيل أغلبية تضم جزءاً من مكونات التحالف السابق قائمة.
بمعنى آخر، لم تفتح الانتخابات باب القطيعة بقدر ما فتحت مرحلة جديدة من التفاوض حول موازين القوى.
وهنا يبدأ السؤال الأهم : من سيقود الحكومة المقبلة؟
الدستور يحدد الإطار العام لهذا الاستحقاق. فرئيس الحكومة يعينه جلالة الملك من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. وإذا تأكد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، فإن الشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة يفترض أن تنتمي إلى هذا الحزب.
ومن هنا تبدأ خصوصية سيناريو 2026.
فاطمة الزهراء المنصوري.. احتمال يحمل بعداً تاريخياً
يبرز اسم فاطمة الزهراء المنصوري بشكل طبيعي في قلب النقاش. فهي المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، كما كانت واحدة من أبرز الوجوه التي قادت الحملة الانتخابية للحزب.
وخلال الحملة، دافعت المنصوري بشكل مباشر عن برنامج قُدم باعتباره «عقداً لخمس سنوات»، يقوم على التزامات محددة وقابلة للقياس والتقييم. وهو ما جعلها لا تمثل فقط واجهة سياسية للحزب، بل أيضاً واحدة من الشخصيات الأكثر ارتباطاً بخطابه وبرنامجه الانتخابي.
وفي حال تعيينها على رأس الحكومة، سيكون لذلك وزن رمزي كبير، إذ لم يسبق لامرأة أن قادت الحكومة المغربية.
لكن اختزال المسألة في هذا البعد وحده سيكون قراءة ناقصة. فالمنصوري تملك أيضاً تجربة حكومية وحزبية وترابية، وتحتل موقعاً مركزياً داخل القيادة الحالية لحزب الأصالة والمعاصرة.
غير أن اعتماد الحزب نموذج القيادة الجماعية يجعل من الصعب اعتبار أي اسم خياراً تلقائياً، خصوصاً أن الأصالة والمعاصرة حرص خلال السنوات الأخيرة على إبراز مؤسساته أكثر من تركيز القيادة في شخص واحد.
فوزي لقجع.. خيار الخبرة التنفيذية والاقتصادية
اسم آخر يطرح في هذا النقاش هو فوزي لقجع، لكن مساره يختلف عن مسار المنصوري.
لقجع عضو في المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ووزير منتدب مكلف بالميزانية، وقد كان حاضراً بقوة في الحملة، خصوصاً في الملفات الاقتصادية والمالية.
وخلال لقاءاته مع الفاعلين الاقتصاديين، من بينهم الاتحاد العام لمقاولات المغرب، دافع عن رؤية تضع الاستثمار الخاص والنمو والتشغيل والتوازنات المالية في صلب السياسة الاقتصادية.
غير أن هناك معطى أساسياً يميز وضعه: لقجع لم يترشح في نهاية المطاف للانتخابات التشريعية، رغم أن اسمه كان قد طُرح للترشح في بركان، قبل أن يتراجع عن خوض الانتخابات مع بقائه منخرطاً في الحملة.
دستورياً، عدم ترشحه لا يخرجه تلقائياً من النقاش، لأن الفصل 47 ينص على أن رئيس الحكومة يُختار من الحزب المتصدر للانتخابات، ولا يشترط أن يكون نائباً برلمانياً.
لكن سياسياً، يبقى الفرق قائماً بين شخصية لم تخض الاقتراع مباشرة، وأسماء ارتبطت بالقيادة الانتخابية للحزب وكانت في واجهة معركة الصناديق.
لقجع يجسد أكثر سيناريو قائم على الخبرة الاقتصادية والتنفيذية، خصوصاً في مرحلة يفترض أن تحتل فيها المالية العمومية والاستثمار والتشغيل والمشاريع الكبرى مكانة أساسية ضمن أجندة 2026-2031.
محمد مهدي بنسعيد.. ورقة الجيل الجديد
محمد مهدي بنسعيد يمثل بدوره اسماً حاضراً في المشهد الداخلي للحزب. فهو عضو في القيادة الجماعية للأصالة والمعاصرة، ووزير الشباب والثقافة والتواصل، كما شارك بوضوح في الحملة الانتخابية وفي الدفاع عن برنامج الحزب.
ويمنحه مساره صورة سياسية مرتبطة أكثر بالجيل الجديد وبالقضايا الحضرية والثقافية والرقمية والشبابية، كما كان واحداً من الوجوه التي وضعها الحزب في واجهة حملته.
لكن من الضروري هنا التمييز بين الحضور السياسي والإعلامي وبين المعطى المؤسساتي. فلا توجد، في هذه المرحلة، مؤشرات رسمية تسمح بترتيب هذه الأسماء أو اعتبار أحدها أقرب من الآخر إلى رئاسة الحكومة.
فاطمة السعدي.. الوجه الثالث في القيادة الجماعية
فاطمة السعدي بدورها جزء من هذه المعادلة. فهي عضو في القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وسبق لها أن ترأست المجلس الجماعي للحسيمة، كما كان لها حضور في الحملة وفي خطاب الحزب المرتبط بالنساء والشباب والعالم القروي ومنطقة الريف.
وتكشف حالتها جانباً مهماً من بنية الحزب في 2026: الأصالة والمعاصرة لا يقدم نفسه كتنظيم يدور حول زعيم واحد، بل كحزب ذي قيادة جماعية تضم أكثر من وجه سياسي قابل للظهور في الاستحقاقات الكبرى.
وهذا المعطى يمنح الحزب هامشاً واسعاً عند الانتقال من مرحلة الانتخابات إلى مرحلة بناء الأغلبية الحكومية.
المعادلة أكبر من سؤال امرأة أم رجل
من السهل إعلامياً اختزال النقاش في سؤال واحد: هل يعرف المغرب أول امرأة على رأس الحكومة، أم يتولى المنصب رجل من داخل الأصالة والمعاصرة؟
لكن المعادلة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
فالاختيار سيرتبط بجملة من العناصر، في مقدمتها موقع الشخصية داخل قيادة الحزب المتصدر، وقدرتها على بناء أغلبية برلمانية، وتجربتها الحكومية، ومدى انسجامها مع أولويات المرحلة المقبلة.
وهذه الأولويات ثقيلة: القدرة الشرائية، التشغيل، الصحة، التعليم، الحماية الاجتماعية، الاستثمار، المشاريع الكبرى في أفق 2030، إضافة إلى الحفاظ على التوازنات المالية.
ثم هناك العامل الحاسم الآخر: التحالفات.
فحزب الأصالة والمعاصرة حصل على 97 مقعداً من أصل 395، بينما تحتاج الأغلبية المطلقة إلى 198 مقعداً. وهذا يعني أن الحزب المتصدر لا يمكنه تشكيل الحكومة بمفرده.
وبالتالي، فإن اختيار رئيس الحكومة لن ينفصل عن شكل الأغلبية البرلمانية التي ستدعمه.
انتخابات 2026 تطرح، بهذا المعنى، سؤالين في الوقت نفسه.
الأول مؤسساتي : من داخل حزب الأصالة والمعاصرة سيُختار لقيادة الحكومة المقبلة؟
والثاني سياسي : مع من سيحكم، أو ستحكم، هذه الشخصية؟
قد يكون المغرب أمام مرحلة سياسية جديدة بالفعل. تولي امرأة رئاسة الحكومة سيكون سابقة تاريخية، بينما يمكن أن يعكس اختيار رجل من داخل الحزب توجهاً مختلفاً، سواء كان اقتصادياً أو جيلياً أو قائماً على الخبرة التنفيذية.
لكن قبل سؤال جنس رئيس الحكومة المقبل، يبقى التحدي الأساسي هو تحويل تصدر نسبي بـ97 مقعداً إلى أغلبية برلمانية متماسكة وقادرة على العمل طوال الولاية الحكومية.
الرئيسية















