كتاب الرأي

المحروقات تشتعل من جديد.. عندما تتحول فاتورة البنزين إلى فاتورة اجتماعية


لم يعد ارتفاع أسعار البنزين أو الغازوال في المغرب خبراً اقتصادياً يهم أصحاب السيارات وحدهم. كل زيادة جديدة في لوحة الأسعار أمام محطات الوقود تجد طريقها، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى ميزانية الأسرة، وكلفة نقل السلع، وأسعار بعض الخدمات، وحتى إلى حسابات المقاولات الصغيرة التي تشتغل بهوامش محدودة.



بقلم عائشة بوسكين

لهذا تبدو موجة الغلاء الحالية أكبر من مجرد بضعة سنتيمات أو دراهم إضافية عند ملء الخزان؛ إنها اختبار جديد لقدرة الاقتصاد على امتصاص صدمة خارجية من دون أن تتحول إلى ضغط اجتماعي داخلي واسع.

خلال الأسابيع الأخيرة، عادت أسعار المحروقات إلى الارتفاع في السوق الوطنية بالتوازي مع صعود أسعار الطاقة دولياً.

في مطلع أكتوبر  ارتفع سعر البنزين بنحو 0,44 درهم للتر، فيما زاد سعر الغازوال بحوالي 0,85 درهم للتر، في وقت راكم فيه الغازوال زيادة قاربت 3,54 دراهم للتر منذ منتصف الصيف. هذه الأرقام لا تترتفع من فراغ؛ فهي تصل إلى سوق يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد ويتأثر مباشرة بتحركات النفط وأسعار المشتقات وتكاليف الشحن وسعر الصرف.

البرميل يرتفع في الخارج.. لكن الصدمة تنتهي في الداخل

المشكلة الرئيسية واضحة : المغرب ليس في موقع يسمح له بالتحكم في أسعار الطاقة العالمية. أي توتر جيوسياسي، اضطراب في الإمدادات أو ارتفاع في أسعار النفط يتحول سريعاً إلى فاتورة استيراد أكبر.


وهذا ما يفسر ارتفاع قيمة واردات المنتجات الطاقية بنحو 29,1 في المائة إلى متم يوليوز 2026 لتصل إلى 81,2 مليار درهم، مدفوعة خصوصاً بارتفاع مشتريات الغازوال والفيول. هنا تبدأ الحلقة الأولى من الضغط : البلاد تدفع أكثر للحصول على الطاقة، ثم تنتقل هذه الكلفة تدريجياً إلى السوق الداخلية.

لكن تفسير الغلاء بالعامل الدولي وحده يبقى غير كافٍ. السؤال الذي يهم المواطن ليس فقط: لماذا ارتفع النفط؟ بل أيضاً: كيف تنتقل هذه الزيادة إلى السعر النهائي؟ وبأي سرعة؟ وهل تنخفض الأسعار بالوتيرة نفسها عندما تتراجع الأسواق العالمية؟


وهنا يصبح النقاش حول شفافية الأسعار والمنافسة وهوامش التوزيع أكثر أهمية. فكلما أصبح مسار تكوين السعر واضحاً ومفهوماً، تقل مساحة الشك ويتحول النقاش من الانطباعات إلى الأرقام.
​


أثر يتجاوز السائق ليصل إلى المستهلك

الغازوال تحديداً يحتل موقعاً حساساً في الاقتصاد المغربي. فهو وقود أساسي للشاحنات والحافلات وسيارات الأجرة وعدد كبير من الأنشطة المهنية. لذلك فإن ارتفاعه لا يعني فقط أن السائق سيدفع أكثر، بل يعني أن نقل الخضر والفواكه والمواد الصناعية ومواد البناء والبضائع بين المدن قد يصبح أكثر كلفة.

والمشكلة هنا أن هذه الكلفة قد تنتقل، ولو جزئياً، إلى المستهلك النهائي.

بهذا المعنى، يصبح سعر المحروقات جزءاً من معادلة القدرة الشرائية. فالأسرة قد لا تملك سيارة أصلاً، لكنها تدفع آثار ارتفاع الوقود عندما ترتفع كلفة النقل أو تتزايد نفقات توزيع السلع.

وهذا ما يجعل أزمة المحروقات مختلفة عن كثير من أزمات الأسعار الأخرى: انتشار أثرها واسع وسريع، ولا يتوقف عند قطاع واحد.

1,9 مليار درهم لمهنيي النقل.. العلاج يخفف الصدمة ولا يلغيها

الحكومة اختارت منذ سنوات اللجوء إلى الدعم المباشر لمهنيي النقل للتخفيف من انعكاسات ارتفاع أسعار الوقود. وحتى نهاية غشت 2026 بلغت المساعدات الموجهة إلى المهنيين حوالي 1,9 مليار درهم، بينما وصلت نفقات المقاصة إلى 13,8 مليار درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة.

هذا الدعم يؤدي وظيفة واضحة : منع انتقال كامل الزيادة إلى أسعار النقل وحماية استمرارية بعض الخدمات. لكنه في الوقت نفسه يكشف حدود التدخل العمومي أمام سوق شديدة الارتباط بالعوامل الخارجية.

فكلما طالت فترة الأسعار المرتفعة، ارتفعت كلفة المواكبة على المالية العمومية. وهنا تظهر المعضلة: هل يستمر الدعم؟ ولأي مدة؟ ومن يستفيد منه تحديداً؟ وهل يصل أثره فعلاً إلى المواطن في شكل استقرار في أسعار النقل؟

الدعم يمكن أن يكون مظلة في لحظة العاصفة، لكنه لا يستطيع وحده أن يكون سياسة طاقة طويلة الأمد.


ما بعد الدعم : سؤال الأمن الطاقي

الأزمة الحالية تعيد أيضاً طرح سؤال أكبر بكثير من سعر لتر الوقود: إلى أي حد يستطيع المغرب تقليص هشاشته أمام تقلبات الطاقة العالمية؟

الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتسريع كهربة النقل، وتطوير النقل العمومي، وتحسين الكفاءة الطاقية ليست ملفات بيئية فحسب. إنها أيضاً أدوات اقتصادية لتقليل الاعتماد على المحروقات المستوردة.

فكل لتر لا يستهلك نتيجة نقل عمومي أفضل أو مركبة أكثر كفاءة هو جزء من فاتورة استيراد تم تجنبه.

غير أن هذه التحولات تحتاج إلى سنوات. أما المواطن، فيدفع ثمن الوقود اليوم.

وهنا تكمن صعوبة المرحلة : الدولة مطالبة بالتعامل مع الأزمة الآنية، من خلال مراقبة السوق ومواكبة القطاعات المتضررة، وفي الوقت نفسه بناء حلول تقلل من تكرار الأزمة نفسها مستقبلاً.


ارتفاع أسعار البنزين والغازوال ليس خبراً عابراً ينتهي بانخفاض البرميل في جلسة تداول لاحقة. إنه مرآة تكشف في كل مرة نقاط قوة الاقتصاد ونقاط هشاشته : من فاتورة الاستيراد إلى النقل، ومن القدرة الشرائية إلى المالية العمومية، ومن المنافسة إلى الثقة.


والتحدي الحقيقي ليس منع الأسعار العالمية من الارتفاع، فهذا خارج قدرة أي حكومة، بل ضمان ألا تتحول كل موجة دولية جديدة إلى صدمة اجتماعية كاملة داخل المغرب




الجمعة 2 أكتوبر 2026

في نفس الركن
< >

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic