آش ندير ورا الباك ؟ الباك في الجيب والمستقبل ضبابي.. المشكلة ليست في النقطة بل في فلو!
في كل سنة، ومع الإعلان عن نتائج الباكالوريا في المغرب، يتكرر المشهد نفسه: آلاف التلاميذ يحصلون على نتائجهم، لكنهم يجدون أنفسهم عاجزين عن الإجابة عن السؤال الأهم: وماذا بعد؟
خلف فرحة النجاح أو خيبة الأمل في المعدل، تبرز حقيقة أكثر عمقًا وقلقًا: توجيه دراسي ومهني مرتبك، غالبًا ما يكون مفروضًا أو مرتجلًا، ومختزلًا في رقم لا أكثر.
النقاش هنا يجب أن يكون صريحًا. لأن نقطة الباكالوريا، مهما كانت أهميتها، لا تختزل ذكاء التلميذ، ولا تكشف وحدها عن قدراته الحقيقية، ولا تحدد بشكل نهائي مستقبله الدراسي أو المهني. قد تفتح بعض الأبواب، نعم، لكنها لا يمكن أن تكون البوصلة الوحيدة لاختيار المسار المناسب. وهذه هي الفكرة الأساسية التي شدد عليها خالد تمدي، المتخصص في التوجيه المدرسي، حين دعا إلى تجاوز النظرة الضيقة التي تجعل من المعدل وحده المحدد الأوحد لمستقبل الطالب.
في المغرب، تتعدد مسارات ما بعد الباكالوريا، لكن فهمها ما يزال محدودًا لدى عدد كبير من الأسر. بين الجامعة، والمدارس العليا، والمعاهد التقنية، والتكوين المهني، والمسارات التطبيقية، تبدو الخيارات متوفرة نظريًا، لكنها في الواقع لا تُقرأ دائمًا بشكل صحيح. والنتيجة أن عددًا من التلاميذ وأولياء الأمور يركزون فقط على المسارات الأكثر شهرة أو الأكثر “هيبة” في المخيال الاجتماعي، من دون طرح السؤال الأساسي: هل هذا المسار يناسب فعلًا قدرات الشاب أو ميوله أو طبيعته؟ هذا الخلل يفتح الباب أمام الإحباط، وإعادة التوجيه القسرية، والانقطاع المبكر، وأحيانًا الإحساس بالفشل رغم أن المشكلة لم تكن أبدًا في الكفاءة، بل في سوء الاختيار.
ومن أهم النقاط التي يثيرها هذا النقاش، إعادة الاعتبار للمسارات البديلة. فليس النجاح حكرًا على الجامعة الكلاسيكية أو المدارس ذات الولوج الصعب. هناك في المغرب مسارات أخرى ذات قيمة حقيقية، مثل التكوين المهني، والتكوين التقني، والتخصصات التطبيقية، والجسور التي تتيح التطور التدريجي من الدبلوم إلى الإجازة ثم الماستر. هذه المسارات قد تكون، في حالات كثيرة، أكثر انسجامًا مع مهارات التلميذ الحقيقية من بعض الاختيارات التي تُفرض فقط لأن معدلًا معينًا يسمح بها. المشكلة إذن ليست في غياب البدائل، بل في غياب المواكبة الجدية لاختيار البديل المناسب.
هنا تبرز مسألة معرفة الذات. قد يحصل تلميذ على معدل جيد، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه مهيأ لمسار معين. وفي المقابل، قد يكون تلميذ آخر بمعدل متوسط، لكنه يمتلك ذكاءً عمليًا، أو قدرة تقنية، أو حسًا مهنيًا، أو رغبة واضحة في مجال لا تكشفه النقط المدرسية بالشكل الكافي. لهذا يصبح من الضروري الاعتماد على أدوات أكثر دقة: اختبارات للقدرات، مواكبة متخصصة، حوارات عميقة حول الميول والاهتمامات، وفهم للسياق النفسي والأسري والاجتماعي لكل شاب. فالتوجيه الحقيقي لا يكون بإلصاق تصنيف أكاديمي بالتلميذ، بل بفهم شخصيته وإمكاناته وواقعه.
هذه المقاربة تحمل أيضًا بعدًا إنسانيًا مهمًا. لأن التوجيه في المغرب يُقدَّم أحيانًا كما لو أنه ترتيب هرمي ثابت: مسارات “مرموقة” وأخرى “من الدرجة الثانية”. وهذه نظرة غير عادلة، بل مضرة. فهي تدفع بعض الشباب إلى مسارات لا تشبههم، وتغذي فكرة خطيرة مفادها أن التعثر الدراسي المؤقت يعني فشلًا نهائيًا في الحياة. والحال أن المسارات ليست مستقيمة دائمًا. يمكن أن يخطئ الطالب، وأن يغيّر اتجاهه، وأن يعيد بناء مشروعه من جديد. لكن ذلك يفترض أولًا الاعتراف بأن التوجيه ليس حكمًا نهائيًا، بل مسار قابل للتصحيح والتطوير.
كما أن الحديث عن النجاح لا يمكن أن يتم بمعزل عن الظروف المحيطة بالتلميذ. فالدعم الأسري، والضغط النفسي، وجودة المحيط الدراسي، وسهولة الوصول إلى المعلومة، والثقة بالنفس، والاستقرار الاجتماعي، كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر في المسار الدراسي والمهني. لذلك فإن اختزال النجاح في “الاستحقاق” وحده، أو في المعدل فقط، هو تبسيط مخلّ. المشروع الشخصي لا يُبنى في الفراغ، بل في سياق معقد، يحتاج إلى إنصات ومواكبة وصبر.
في العمق، الرهان الحقيقي لما بعد الباكالوريا ليس فقط أن يجد التلميذ مقعدًا في مؤسسة ما، بل أن يتمكن من بناء مشروع شخصي واضح، واقعي، قابل للتطور، ومنسجم مع قدراته الحقيقية. وهذا يتطلب وقتًا وحوارًا ومرافقة، ويتطلب أيضًا القطع مع ثقافة “الحكم النهائي” التي تجعل من نقطة واحدة قدرًا كاملاً. المعدل قد يكون مؤشرًا، لكنه لا يجب أن يتحول إلى سجن.
في بلد مثل المغرب، حيث تمثل فئة الشباب رهانًا استراتيجيًا، لم يعد مقبولًا أن يظل التوجيه مجرد إجراء إداري أو قرارًا عائليًا مرتجلًا. التوجيه يجب أن يصبح ورشًا تربويًا حقيقيًا. لأن السؤال بعد الباكالوريا ليس فقط: إلى أين سيلتحق هذا الشاب؟ بل: كيف نساعده على أن يجد مكانه من دون أن يضيع في الطريق؟
آخر الأخبار
|
حياتنا
|
صحتنا
|
فن وفكر
|
لوديجي ستوديو
|
كتاب الرأي
|
أسرتنا
|
تكنو لايف
|
بلاغ صحفي
|
لوديجي ميديا [L'ODJ Média]
|
كيوسك
|
اقتصاديات
|
كلاكسون
|
سپور
|
المراقبة السياسية