فاس: عبد المجيد الكوهن
تعتبر احدات انتفاضة مدينة فاس الدموية لشهر يناير 1944،من اطول واخطر المعارك في تاريخ مختلف المقاومات التحررية والتي امتدت لازيد من اسبوعين، عاشت المدينة وساكنتها اياما حالكة بلغت درجة ضرب حصار عليها لا ماء ولا كهرباء ولا مواد غذائية ولا مؤن مختلفة...واليوم.
نواصل سلسلة " فاس واجواء شهر يناير 1944". فبعد الحلقة الاولى، حين رصدنا موقع فاس عند تقديم عريضة المطاابة بالاستقلال،( 11 يناير 1944) وكيف علم مناضلو وساكنة المدينة، بالحدث التاريخي العظيم تزامنا مع وقوعه بالرباط،وبعد وقوفنا على الردة الفعلية الفاسية القوية، من خلال الاحداث الدموية الفظيعة لليوم المشهود( 31يناير)، وما خلفته من عشرات الشهداء والشهيدات، ومئات الضحايا والمصابين والمصابات، والمعتقلين والمعتقلات،هذه الانتفاضة بجميع تجلياتها( مظاهرات عارمة/ مواجهات ضارية/ حصارات مشددة ) استمرت لما يزيد عن اسبوعين،ولم تتوقف الا عند يوم 14 فبراير1944.هذا اليوم التاريخي النضالي الكبير،هو المعروف بيوم( النفير العام بفاس).
للتعريف بهذا اليوم العظيم في تاريخ مدينة فاس، وسياقاته ومجرياته وبواعثه ونتائجه وأثاره لما يستقبل على القضية المغربية...نترك الحديث عنه لاحد مخططي وصناع هذه الاحداث، الوطني الكبير المجاهد المرحوم سيدي امحمد العراقي، مستقاة من الكتاب الذي اعده الاخ الاستاذ عبد المجيد الكوهن،وفيمايالي ما ورد على لسانه رحمه الله تعالى:
الاحد 13 فبراير1944
في هذا اليوم، سيحدث جديد في مسار هذه الانتفاضة النضالية، حيث ناداني السيد حسن بنشقرون( مسير الحزب) والتحقت به بدار ابن عبد الجليل بزنقة الرطل، ليخبرني ان اجتماعا هاما سيعقد مع الاطر المسيرة للحزب، وفعلا صاحبته الى مقر هذا الاجتماع، الذي هو بيت الحاج محمد بلحبيب بحي لقواس،فكان الجميع على موعد مع التعليمات الجديدة لقيادة الحزب بفاس، وهذه المرة سيتولى القيادي حسن بنشقرون، تقديمها بنفسه للحاضرين، فبعد ان قدم عرضا حول الاحوال العامة بالمدينة، وشكر كل الاطر المشتغلة بهذه الانتفاضة وكل المواطنين، اخبر الجميع ان يوم غد(14 فبراير) ستتم فيه اخر مظاهرة في سلسلة هذه الحركة النضالية، مع تعيين خطيبين بمسجد الرصيف،وهما: عبد السلام بن عبد ااجليل والطاهر غلاب. وبذلك ستتوقف كل
المظاهرات.
انتهى الاجتماع وانصرف الجميع، اما انا( امحمد العراقي)، فقد عدت مع السيد حسن بنشقرون الى البيت الذي غادرناه معا.
يوم النفير العام والاعتقال الجماعي( الاثنين14 فبراير 44)
استجاب، كالعادة، سكان فاس ليوم النفير العام( بمعنى التعبئة الشاملة للمدينة في مواجهة الاستعمار)، وذلك تكذيبا لما اشاعه الاستعمار كون الانتفاضة قضي عليها....وانطلقت تظاهرات ضخمة من مختلف احياء المدينة في اتجاه مسجد الرصيف، الذي امتلأ عن أخره، وبدأ الخطباء في القاء خطبهم التحميسية والتعبوية...لكن ماهي الا لحظات معدودات،حتى حاصرت القوات الاستعمارية المسجد واغلقت جميع ابوابه....وسيق كل الذين كانوا بداخله الواحد تلو الاخر في صف طويل على شكل، طابور مقتادين تحت تهديد الاسلحة اانارية، الى ثكنة عسكرية بباب الساكمة....وحوكموا "صوريا" بأحكام سجنية قاسية متفاوتة المدد مع الاشغال الشاقة، ونقلوا على الفور عبر شاحنات في اتجهات غير معلومة،سنكتشفها فيما بعد.
ومن بين هؤلاء المعتقلين اربعة من اللجنة المؤقتة لتسيير الحزب بفاس،وهم: محمد بلحبيب/الطيب السبتي/ العربي بنجلون/ زيزح/، ولم يبقى من اللجنة الا اثنين وهما: ادريس السلاوي وعبدو ربه( امحمد العراقي)، ويعود سبب عدم اعتقالي في هذه الظروف، لكوني التزمت بقرار الحزب القاضي بعدم العودة الى بيتي والبقاء مقيما عند السيد الورياكلي بكزام برقوقة.
الثلاثاء ( 15 فبراير) فك الاضراب:
رغم هذا الظرف المشحون ومواصلة الاعتقالات، ثم تنفيذ قرار الحزب المتعلق بفك الاضراب العام،ابتداءا من هذا اليوم( 15 فبراير) حيث فتحت الاسواق، وابواب المتاجر وفنادق الحرف التقليدية....لكن ملامح اصحابها كانت أليمة وحزينة، بسبب الحالة المأساوية التي تعيشها مدينة فاس، وظلت هذه الاحوال مخيمة ومتواصلة، كتمركز قوات الاحتلال وخاصة" الكوم"، بأهم محاور المدينة، كفندق النجارين والقطانين والسبطريين والنواعريين ودار سميرس بحومة كرنيز....كما لم تسلم اي عائلة بفاس من أثار هذه الحوادث الدامية المؤلمة...اما بسبب استشهاد او اصابة اواعتقال....
الانتقام الاستعماري:
لم تقف الادارة الاستعمارية عند هذا الحد من التعسف والاضطهاد، بل عمدت الى الانتقام بأشد انواع القساوة من التجار الذين شاركوا في انجاح الاضراب العام طيلة الايام السابقة، وهكذا وبأمر من الضباط الاستعماريين قام عدد من الجنود واذنابهم باقتحام المتاجر والدكاكين وسلبوا ما تتوفرعليه من سلع وبضائع ومذخرات، وبالمناسبة، وكما اشرت سابقا، فانني كنت شخصيا،من ضحايا هذه الحمله الشرسة الانتقامية، فقد استهدفوا البيت الذي اكتريته بفندق رحبت القيس، كمخزن لبضائع تجارتي....
الجنرال سوفران يتولى بنفسه حملة الانتقام ويهدد المصابين:
من الامور المثيرة للاستغراب، بعدما تم نقل بعض الجرحى والمصابين الى مستشفى"كوكار"، المعروف بعد الاستقلال بابن الخطيب، حضر الجنرال سوفران، الحاكم بأمره، وأخذ يصرخ في وجوههم متلفظا بأردل الكلام واحط الاوصاف واوسخ النعوت... بل هدد بسجن جميع المصابين....
قيادة جديدة للحزب بفاس:
لم تكد تنتهي وقائع هذه الحوادث يوم 14 فبراير 1944، حيث كان كل المسؤولين الحزبيين، وجل اعضاء اللجن والخلايا قد تم اعتقالهم، وحتى يتواصل الكفاح الوطني بفاس فقد تم تعيين قيادة محلية جديدة، يوم 16 فبراير مكونة من:
محمد بنشقرون/ عبد الرحمن الحريشي/محمد الزغاري/ محمد بن عبد السلام الصقلي وعبدو ربه( امحمد العراقي).
وبذلك تواصل الكفاح ااوطني المستميث، بتنظيم الخلايا وكتابة المناشير، مؤكدين وجودنا امام المستعمر الغاشم... فبالنسبة للمناشير المحررة باللغة العربية، فقد تكلفت بها تحريرا وتوزيعا، لجنة مكونة من:
عبد الرحمن الحريشي/محمد بن احمد الادريسي/ وعبدو ربه( امحمد العراقي) والتي كانت تجتمع بمنزل السيد عبد السلام اعبابو بحي رشم العيون.
في حين كونت لجنة لتحرير وتوزيع المناشير باللغة الفرنسية، من الاخوة:
مولاي علي بن امحمد الصقلي/ عبد القادر الكحاك/عبد الحق السعداني. وكانوا يجتمعون ب "مصرية" السيد محمد الزغاري بحومة سيد العواد....هذا وفد زودت هذه اللجنة بالالة الكاتبة التي سبق ان اخفاها عندي السيد حسن بنشقرون، قبل اعتقاله، لاسلمها لاخيه خشية من عيون الادارة الاستعمارية.
احكام الاعدام
على اثر هذه الاحداث الدموية،توالت الاعتقالات، كما تمت الاشارة لذلك،بل صدرت احكام بالاعدام في حق عشرة من الوطنيين وهم:
سيد العربي الادريسي/بناصر الصقلي/عمر بنموسى/ ولد الشريفة/احمد الميسوري/ الخمار السبع/ بنسالم بريشة( الذي اعدم على الفور).واعتذر عن الاسماء الثلاثة الاخرين الذين لم اتمكن من اسنحضارهم.
.. في حين تحول الحكم على الاخرين باامؤبد)
اما بالنسبة للزعماء: احمد مكوار/ الهاشمي الفيلالي/ عبد العزيز بن ادريس، فقد احيلوا على المحكمة العسكرية لمدينة مكناس.
"ودابا خليوا الماء منين يدوز"
لم يكد ينتهي شهر فبراير 1944،حتى ارتأى مسؤولو الحزب بفاس ضرورة بعث مرسول الى الرباط لاخبار القيادة الوطنية بما جرى ويجري بفاس، وفي نفس الوقت طرح اسئلة مضبوطة ولمعرفة اجوبة واضحة و محددة..
فوقع اختياري(امحمد العراقي) لهذه المهمة السرية الخطيرة والصعبة....وقد حملوني عشرين(20) سؤالا، وحتى لا يكشف المستعمر فحواها، فقد لقنوني اياها فحفظتها عن ظهر قلب، وبعد ان رددتها على المسؤولين بفاس عدة مرات واطمأنوا على سريتها، سافرت عبر القطار الى الرباط، ووصلتها مساءا، والتحقت على الفور بمنزل الفقيه غازي بديور الجامع، غير ان اخاه اخبرني بمرضه، ويوجد بالمستشفى لشدة الالم الذي الم به.ولما تأكد من معرفتي اخذني الى بيت السيد اليزيدي، ولما اقترب منه غادرني على الفور، ورغم ان الوقت ليلا، والمعروف على السيد اليزيدي، كما اخبروني بذلك، انه شديد الحرص على ضبط التوقيت في حياته. تجرأت وطرقت باب بيته، فأجابني احد مساعديه، طالبا مني التعريف بنفسي، فقلت له انني مبعوث من مدينة فاس ، ولعل السيد اليزيدي كان راغبا لمعرفة الاخبار عن هذه المدينة،فاذن لي بالدخول، ثم انفرد بي في مكتبه بغرفة متواضعة في الطابق العلوي من البيت،ثم طلب مني الحديث، فتلوت عليه ،في اول الامر،الاسئلة العشرين دفعة واحدة، وبعدها طلب مني تلاوة كل سؤال على حدة....وعند كل سؤال كان يلقلني جوابه، وحين يتأكد من حفظي له نمر الى السؤال الموالي.. الى أخر سؤال.... واما انتهت المقابلة/ المهمة،قال لي السيد اليزيدي بالحرف:" ماقامت به مدينة فاس شبيه بما تقوم به بعض العواصم الاوروبية في محاربة النازية" ثم اضاف قائلا: "ودابا( الان) خليوا الما منين يدوز". بمعنى المطلوب شيء من الهدنة في انتظار ما سيستجد....وقال لي ان احمد مكوار في حالة مرضية سيئة، ونحاول الاتصال به، اما عبد العزيز بن ادريس والهاشمي الفيلالي فحالتهما الصحية بخير.....ثم ودعته بعدما سألني هل لي احد بالرباط فقلت له : لا...بل سأعود على الفور الى فاس ان شاء الله.
وفعلا عدت الى فاس عبر القطار، والتحقت باخواني قيادة الحزب الجديدة، واستمعوا بامعان الى الاجوبة التي لقنني اياها السيد اليزيدي، وقد تفهموها كلها، الا عبارة واحدة تقبلوها باندهاش واستغراب وهي:" ودابا خليوا الما منين يدوز".وسبب استغرابهم كون فاس واهلها وقيادتها لم تشعر بأي انفراج فالاحرى الارتياح....فكوارثها لاتزداد الا سوءا ومأساة....مابين السجون والمستشفيات والمنافي واحكام قاسية بلغت درجة الاعدام......وظلت عبارة " خليوا الماء منين يدوز" موقع تساؤلات واستفهامات ؟؟؟؟.
هكذا كانت الظروف العامة في الاوقات الاخيرة من ايام الملحمة ااكبرى لاحداث فاس الدموية الشامخة والخالدة.... والتي ستبقى عهدا متواصلا في اعناق الخلف لمواصلة ماقام به السلف لتحقيق الشعار الخالد:" مواطنون احرار في وطن حر".
نواصل سلسلة " فاس واجواء شهر يناير 1944". فبعد الحلقة الاولى، حين رصدنا موقع فاس عند تقديم عريضة المطاابة بالاستقلال،( 11 يناير 1944) وكيف علم مناضلو وساكنة المدينة، بالحدث التاريخي العظيم تزامنا مع وقوعه بالرباط،وبعد وقوفنا على الردة الفعلية الفاسية القوية، من خلال الاحداث الدموية الفظيعة لليوم المشهود( 31يناير)، وما خلفته من عشرات الشهداء والشهيدات، ومئات الضحايا والمصابين والمصابات، والمعتقلين والمعتقلات،هذه الانتفاضة بجميع تجلياتها( مظاهرات عارمة/ مواجهات ضارية/ حصارات مشددة ) استمرت لما يزيد عن اسبوعين،ولم تتوقف الا عند يوم 14 فبراير1944.هذا اليوم التاريخي النضالي الكبير،هو المعروف بيوم( النفير العام بفاس).
للتعريف بهذا اليوم العظيم في تاريخ مدينة فاس، وسياقاته ومجرياته وبواعثه ونتائجه وأثاره لما يستقبل على القضية المغربية...نترك الحديث عنه لاحد مخططي وصناع هذه الاحداث، الوطني الكبير المجاهد المرحوم سيدي امحمد العراقي، مستقاة من الكتاب الذي اعده الاخ الاستاذ عبد المجيد الكوهن،وفيمايالي ما ورد على لسانه رحمه الله تعالى:
الاحد 13 فبراير1944
في هذا اليوم، سيحدث جديد في مسار هذه الانتفاضة النضالية، حيث ناداني السيد حسن بنشقرون( مسير الحزب) والتحقت به بدار ابن عبد الجليل بزنقة الرطل، ليخبرني ان اجتماعا هاما سيعقد مع الاطر المسيرة للحزب، وفعلا صاحبته الى مقر هذا الاجتماع، الذي هو بيت الحاج محمد بلحبيب بحي لقواس،فكان الجميع على موعد مع التعليمات الجديدة لقيادة الحزب بفاس، وهذه المرة سيتولى القيادي حسن بنشقرون، تقديمها بنفسه للحاضرين، فبعد ان قدم عرضا حول الاحوال العامة بالمدينة، وشكر كل الاطر المشتغلة بهذه الانتفاضة وكل المواطنين، اخبر الجميع ان يوم غد(14 فبراير) ستتم فيه اخر مظاهرة في سلسلة هذه الحركة النضالية، مع تعيين خطيبين بمسجد الرصيف،وهما: عبد السلام بن عبد ااجليل والطاهر غلاب. وبذلك ستتوقف كل
المظاهرات.
انتهى الاجتماع وانصرف الجميع، اما انا( امحمد العراقي)، فقد عدت مع السيد حسن بنشقرون الى البيت الذي غادرناه معا.
يوم النفير العام والاعتقال الجماعي( الاثنين14 فبراير 44)
استجاب، كالعادة، سكان فاس ليوم النفير العام( بمعنى التعبئة الشاملة للمدينة في مواجهة الاستعمار)، وذلك تكذيبا لما اشاعه الاستعمار كون الانتفاضة قضي عليها....وانطلقت تظاهرات ضخمة من مختلف احياء المدينة في اتجاه مسجد الرصيف، الذي امتلأ عن أخره، وبدأ الخطباء في القاء خطبهم التحميسية والتعبوية...لكن ماهي الا لحظات معدودات،حتى حاصرت القوات الاستعمارية المسجد واغلقت جميع ابوابه....وسيق كل الذين كانوا بداخله الواحد تلو الاخر في صف طويل على شكل، طابور مقتادين تحت تهديد الاسلحة اانارية، الى ثكنة عسكرية بباب الساكمة....وحوكموا "صوريا" بأحكام سجنية قاسية متفاوتة المدد مع الاشغال الشاقة، ونقلوا على الفور عبر شاحنات في اتجهات غير معلومة،سنكتشفها فيما بعد.
ومن بين هؤلاء المعتقلين اربعة من اللجنة المؤقتة لتسيير الحزب بفاس،وهم: محمد بلحبيب/الطيب السبتي/ العربي بنجلون/ زيزح/، ولم يبقى من اللجنة الا اثنين وهما: ادريس السلاوي وعبدو ربه( امحمد العراقي)، ويعود سبب عدم اعتقالي في هذه الظروف، لكوني التزمت بقرار الحزب القاضي بعدم العودة الى بيتي والبقاء مقيما عند السيد الورياكلي بكزام برقوقة.
الثلاثاء ( 15 فبراير) فك الاضراب:
رغم هذا الظرف المشحون ومواصلة الاعتقالات، ثم تنفيذ قرار الحزب المتعلق بفك الاضراب العام،ابتداءا من هذا اليوم( 15 فبراير) حيث فتحت الاسواق، وابواب المتاجر وفنادق الحرف التقليدية....لكن ملامح اصحابها كانت أليمة وحزينة، بسبب الحالة المأساوية التي تعيشها مدينة فاس، وظلت هذه الاحوال مخيمة ومتواصلة، كتمركز قوات الاحتلال وخاصة" الكوم"، بأهم محاور المدينة، كفندق النجارين والقطانين والسبطريين والنواعريين ودار سميرس بحومة كرنيز....كما لم تسلم اي عائلة بفاس من أثار هذه الحوادث الدامية المؤلمة...اما بسبب استشهاد او اصابة اواعتقال....
الانتقام الاستعماري:
لم تقف الادارة الاستعمارية عند هذا الحد من التعسف والاضطهاد، بل عمدت الى الانتقام بأشد انواع القساوة من التجار الذين شاركوا في انجاح الاضراب العام طيلة الايام السابقة، وهكذا وبأمر من الضباط الاستعماريين قام عدد من الجنود واذنابهم باقتحام المتاجر والدكاكين وسلبوا ما تتوفرعليه من سلع وبضائع ومذخرات، وبالمناسبة، وكما اشرت سابقا، فانني كنت شخصيا،من ضحايا هذه الحمله الشرسة الانتقامية، فقد استهدفوا البيت الذي اكتريته بفندق رحبت القيس، كمخزن لبضائع تجارتي....
الجنرال سوفران يتولى بنفسه حملة الانتقام ويهدد المصابين:
من الامور المثيرة للاستغراب، بعدما تم نقل بعض الجرحى والمصابين الى مستشفى"كوكار"، المعروف بعد الاستقلال بابن الخطيب، حضر الجنرال سوفران، الحاكم بأمره، وأخذ يصرخ في وجوههم متلفظا بأردل الكلام واحط الاوصاف واوسخ النعوت... بل هدد بسجن جميع المصابين....
قيادة جديدة للحزب بفاس:
لم تكد تنتهي وقائع هذه الحوادث يوم 14 فبراير 1944، حيث كان كل المسؤولين الحزبيين، وجل اعضاء اللجن والخلايا قد تم اعتقالهم، وحتى يتواصل الكفاح الوطني بفاس فقد تم تعيين قيادة محلية جديدة، يوم 16 فبراير مكونة من:
محمد بنشقرون/ عبد الرحمن الحريشي/محمد الزغاري/ محمد بن عبد السلام الصقلي وعبدو ربه( امحمد العراقي).
وبذلك تواصل الكفاح ااوطني المستميث، بتنظيم الخلايا وكتابة المناشير، مؤكدين وجودنا امام المستعمر الغاشم... فبالنسبة للمناشير المحررة باللغة العربية، فقد تكلفت بها تحريرا وتوزيعا، لجنة مكونة من:
عبد الرحمن الحريشي/محمد بن احمد الادريسي/ وعبدو ربه( امحمد العراقي) والتي كانت تجتمع بمنزل السيد عبد السلام اعبابو بحي رشم العيون.
في حين كونت لجنة لتحرير وتوزيع المناشير باللغة الفرنسية، من الاخوة:
مولاي علي بن امحمد الصقلي/ عبد القادر الكحاك/عبد الحق السعداني. وكانوا يجتمعون ب "مصرية" السيد محمد الزغاري بحومة سيد العواد....هذا وفد زودت هذه اللجنة بالالة الكاتبة التي سبق ان اخفاها عندي السيد حسن بنشقرون، قبل اعتقاله، لاسلمها لاخيه خشية من عيون الادارة الاستعمارية.
احكام الاعدام
على اثر هذه الاحداث الدموية،توالت الاعتقالات، كما تمت الاشارة لذلك،بل صدرت احكام بالاعدام في حق عشرة من الوطنيين وهم:
سيد العربي الادريسي/بناصر الصقلي/عمر بنموسى/ ولد الشريفة/احمد الميسوري/ الخمار السبع/ بنسالم بريشة( الذي اعدم على الفور).واعتذر عن الاسماء الثلاثة الاخرين الذين لم اتمكن من اسنحضارهم.
.. في حين تحول الحكم على الاخرين باامؤبد)
اما بالنسبة للزعماء: احمد مكوار/ الهاشمي الفيلالي/ عبد العزيز بن ادريس، فقد احيلوا على المحكمة العسكرية لمدينة مكناس.
"ودابا خليوا الماء منين يدوز"
لم يكد ينتهي شهر فبراير 1944،حتى ارتأى مسؤولو الحزب بفاس ضرورة بعث مرسول الى الرباط لاخبار القيادة الوطنية بما جرى ويجري بفاس، وفي نفس الوقت طرح اسئلة مضبوطة ولمعرفة اجوبة واضحة و محددة..
فوقع اختياري(امحمد العراقي) لهذه المهمة السرية الخطيرة والصعبة....وقد حملوني عشرين(20) سؤالا، وحتى لا يكشف المستعمر فحواها، فقد لقنوني اياها فحفظتها عن ظهر قلب، وبعد ان رددتها على المسؤولين بفاس عدة مرات واطمأنوا على سريتها، سافرت عبر القطار الى الرباط، ووصلتها مساءا، والتحقت على الفور بمنزل الفقيه غازي بديور الجامع، غير ان اخاه اخبرني بمرضه، ويوجد بالمستشفى لشدة الالم الذي الم به.ولما تأكد من معرفتي اخذني الى بيت السيد اليزيدي، ولما اقترب منه غادرني على الفور، ورغم ان الوقت ليلا، والمعروف على السيد اليزيدي، كما اخبروني بذلك، انه شديد الحرص على ضبط التوقيت في حياته. تجرأت وطرقت باب بيته، فأجابني احد مساعديه، طالبا مني التعريف بنفسي، فقلت له انني مبعوث من مدينة فاس ، ولعل السيد اليزيدي كان راغبا لمعرفة الاخبار عن هذه المدينة،فاذن لي بالدخول، ثم انفرد بي في مكتبه بغرفة متواضعة في الطابق العلوي من البيت،ثم طلب مني الحديث، فتلوت عليه ،في اول الامر،الاسئلة العشرين دفعة واحدة، وبعدها طلب مني تلاوة كل سؤال على حدة....وعند كل سؤال كان يلقلني جوابه، وحين يتأكد من حفظي له نمر الى السؤال الموالي.. الى أخر سؤال.... واما انتهت المقابلة/ المهمة،قال لي السيد اليزيدي بالحرف:" ماقامت به مدينة فاس شبيه بما تقوم به بعض العواصم الاوروبية في محاربة النازية" ثم اضاف قائلا: "ودابا( الان) خليوا الما منين يدوز". بمعنى المطلوب شيء من الهدنة في انتظار ما سيستجد....وقال لي ان احمد مكوار في حالة مرضية سيئة، ونحاول الاتصال به، اما عبد العزيز بن ادريس والهاشمي الفيلالي فحالتهما الصحية بخير.....ثم ودعته بعدما سألني هل لي احد بالرباط فقلت له : لا...بل سأعود على الفور الى فاس ان شاء الله.
وفعلا عدت الى فاس عبر القطار، والتحقت باخواني قيادة الحزب الجديدة، واستمعوا بامعان الى الاجوبة التي لقنني اياها السيد اليزيدي، وقد تفهموها كلها، الا عبارة واحدة تقبلوها باندهاش واستغراب وهي:" ودابا خليوا الما منين يدوز".وسبب استغرابهم كون فاس واهلها وقيادتها لم تشعر بأي انفراج فالاحرى الارتياح....فكوارثها لاتزداد الا سوءا ومأساة....مابين السجون والمستشفيات والمنافي واحكام قاسية بلغت درجة الاعدام......وظلت عبارة " خليوا الماء منين يدوز" موقع تساؤلات واستفهامات ؟؟؟؟.
هكذا كانت الظروف العامة في الاوقات الاخيرة من ايام الملحمة ااكبرى لاحداث فاس الدموية الشامخة والخالدة.... والتي ستبقى عهدا متواصلا في اعناق الخلف لمواصلة ماقام به السلف لتحقيق الشعار الخالد:" مواطنون احرار في وطن حر".
الرئيسية















