فن وفكر

"ولادتك الجديدة في ثلاثين يومًا": كتاب مختص لاستعادة الذات وبنائها بثقة


يأتي كتاب "ولادتك الجديدة في ثلاثين يومًا" للكاتبة مليكة أبوهري كاقتراح هادئ لاستعادة المسافة الحميمة مع الذات. إنه كتاب لمختصة ذات تجربة طويلة في تنمية الذات، لا تقدم وعدًا بتحوّلٍ سحريّ بين ليلة وضحاها؛ بل مسارٌ يوميّ من ثلاثين محطة صغيرة، تُدرّب القارئ على فعلٍ بسيط وعميق في آن: أن يرى ما يشعر به، أن يعترف به، ثم يتنفّس معه بدل أن يهرب منه.



بقلم: حسن الوزان

يرتكز كتاب "ولادتك الجديدة في ثلاثين يومًا" -الصادر حديثا عن منشورات النورس- على فكرة جوهرية: لا تُؤذينا المشاعر بحدّ ذاتها بقدر ما يؤذينا إنكارها وتأجيل الاعتراف بها. ومن هنا، تقترح الكاتبة لغة رفيقة للداخل الإنساني: تأملات قصيرة، أسئلة وعي، تمارين بيداغوجية، وتوكيدات لطيفة قبل النوم. هذه الأدوات ليست وصفات جاهزة، بقدر ما تمنح المتلقي مفاتيح لفتح أبوابٍ أُغلقت طويلًا في وجه الحزن والخيبة والغضب والتعب. حين يُسمَح للشعور أن يُحَسّ بالكامل، يمرّ كموجة ويهدأ؛ وحين يُقابَل بالجلد والإنكار، يتحوّل إلى فوضى داخلية مزمنة.

الكتاب موجَّه للمرأة التي تعبت من أن “تتحمّل أكثر مما يجب”، ومن أن تنضبط وتصمت بدعوى القوة. يخاطب تلك التي تعرف في أعماقها أنها ليست نسخةً مكرورة من الماضي ولا صدى لقصصٍ موروثة، بل ذاتٌ حيّة يمكن أن تتذكّر نفسها من جديد. ومن هنا دلالة “الولادة الجديدة”: ليست خلق نسخة أخرى من الذات، بل العودة إلى النسخة الأولى التي كانت موجودة قبل تعلّم الخوف وقبل خلط حبّ الذات بمحاولات إثبات الذات. إنها ولادة بالمعنى الوجودي: استعادة الحق في الصوت، في الجسد، وفي الإنصات للحدس.

على مستوى الأسلوب، يوازن كتاب "ولادتك الجديدة في ثلاثين يومًا" بين النبرة الخفيفة والدقة العملية. لا يُغرق في التنظير، ولا يكتفي بالتحفيز العاطفي؛ بل يبني إيقاعًا يوميًا صغيرًا يمكن الالتزام به: دقيقة تنفّس قبل النوم، كلمة ذكر أو دعاء أو تأمل بسيط، سؤال وعي يوسّع مساحة الانتباه. هذه التفاصيل اليومية، رغم بساطتها، تُعيد ترتيب العلاقة بالجسد وبالزمن، وتكسر حلقة الاستنزاف التي تصنعها السرعة والضغط الاجتماعي.

في خلفية المشروع حساسية أخلاقية واضحة: لا لوم ولا عقاب ولا جلد للذات. هناك دعوة إلى رؤية المشاعر كما هي، بصدق ورفق. بهذا المعنى، يُعيد الكتاب تعريف “القوة” لا بوصفها صلابةً تُنكر الهشاشة، بل قدرةً على الحضور مع الهشاشة دون أن تتحوّل إلى إدانة. إنه تمرين على أن يكون للمرأة حقٌّ صغير في الهواء، في مساحة داخلية آمنة، وفي بداية لا تُفرض من الخارج بل تُبنى من الداخل.

يقدّم "ولادتك الجديدة في ثلاثين يومًا" نموذجًا لكتابة عابرة للتصنيفات: بين التأمل اليومي، والمرافقة النفسية اللطيفة، والنص التحفيزي غير الوعظي. وهو يلتقط حاجة راهنة في مجتمعٍ يُكافئ الصمت والإنهاك بوصفهما فضيلة. عبر مسار ثلاثين يومًا، يذكّرنا الكتاب بأن التغيير المستدام يبدأ بخطوات صغيرة تُمارَس بانتظام، وبأن الإصغاء للداخل فعل مقاومة ناعمة في عالمٍ صاخب.

لا يعد الكتاب بحياة “مثالية”، بل يقترح مصالحةً مع الواقع الداخلي كما هو. ولعلّ قيمته الأعمق أنه يمنح القارئة لغة لتسمية ما يعتمل في صدرها، إنها ولادة بلا ضجيج، تبدأ من دقيقة وعي، وتكبر يومًا بعد يوم حتى تستعيد المرأة علاقتها بنفسها، وبالهواء الذي تحتاجه لتعيش.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الجمعة 3 أبريل 2026
في نفس الركن