بقلم: الكاتب والإعلامي عبدالعزيز كوكاس
صور الفبيلم بتقنية 3D بطريقة مبتكرة غير خاضعة لقواعد السينما التي اعتدناها
العنوان نفسه “وداعًا للغة” يحمل بعد تآكل قدرة اللغة على تمثيل الواقع أو خلق علاقة إنسانية حقيقية. فكل الحوارات في الفيلم متكسّرة، متداخلة، أحياناً متناقضة، نرى صداماً بين الصورة والكلمة، حيث الصورة تُكذب اللغة أو تحرّض عليها.
لقد صور الفبيلم بتقنية 3D بطريقة مبتكرة غير خاضعة لقواعد السينما التي اعتدناها، إذ لا يحكي الفيلم قصة متماسكة، بقدر ما يقدم شظايا من المونولوجات، الصور والأفكار التي تُصطدم ببعضها..
في فيلمه التجريبي “وداعًا للغة ” يعلن جان لوك غودار عن قطيعة جذرية مع ما تبقى من بقايا السرد السينمائي، ليفتح بوابة ما يمكن تسميته بـ”ما بعد السينما” أو سينما الرفض. يقدّم عرضا فلسفيا نثريًا، مجزّأ عن انهيار اللغة، فشل الإنسان في التواصل وموت الحكاية. إنه وداع للغة، للحب، للسينما وللثقة القديمة في الصور.
تفكيك اللغة.. هكذا تخون الكلمات العالم
يقدم المخرج قطعا مشوشة من حوارات بين امرأة ورجل يلتقيان، يتحاوران، يتخاصمان، ويتجاوران جسديًا دون قدرة حقيقية على التواصل.
تبدو العلاقة بينهما مشوبة بالعنف، بالبرود، وبسوء الفهم. لا نعرف عنهما الكثير: لا أسماء واضحة، لا خلفيات نفسية مكتملة، فقط شذرات من كلام وذاكرة وجسد.
جل الحوارات تدور حول أن اللغة لم تعد تخدم الأفكار بل تعيقها، تتحوّل اللغة من وسيط للتواصل إلى أداة للتيه، تتخلل هذا السرد مقاطع من اقتباسات فلسفية وأدبية، صور للطبيعة، للحيوانات، للحرب، للتكنولوجيا، وللجسد.
حيث يفضح غودار وهم الدلالة المستقرة. فالحوار مفكك، الأصوات متقطعة والعبارات تنبع من فراغ لا يُستدل عليه. نحن هنا في فضاء تفكيكي بامتياز. “أنا أتحدث إليك، لكن من يتكلم؟”
الكائن الأكثر قربا من الحقيقة هو “روكسي”، كلب غودار الشخصي
اللافت في الفيلم أن الكائن الأكثر قربا من الحقيقة هو “روكسي”، كلب غودار الشخصي الذي يحتل موقعا مركزيا.
بينما يتعثر البشر في لغتهم وجسدهم وشكوكهم، يمشي الكلب بحرية، يرى، يصغي، دون أن يحتاج إلى تأويل. يقول الراوي:
“الحيوان لا يعرف أنه سيموت. الإنسان يعرف، لكنه لا يصدق.” الكلب (روكسي) كائن يرى العالم دون لغة، دون أيديولوجيا، دون أكاذيب. في حضوره، يقارن غودار بين براءة الإدراك الطبيعي وفساد اللغة البشرية.
يبدو الكلب شاهدا صامتا على عبث الإنسان، يشير رمزيًا إلى ما قبل اللغة، إلى الطهر الحسي، إلى رؤية غير مُفسدة بالبنية الرمزية. وهكذا، يصبح “روكسي” استعارة عميقة لكائن لم تُفسده الثقافة ولا يحتاج إلى حكاية ليعيش.
“وداعًا للغة” هو أيضًا وداع للسينما كما عرفناها، لم يعد الفيلم يطمح إلى سرد قصة أو تقديم شخصيات، إنه وداع للإنسان نفسه، كما صوّرته الحداثة: الكائن العقلاني، اللغوي، القادر على التفسير. على العكس يبدو الإنسان الغوداري كائن مشوش، وحيد، عاجز عن الحب والتفاهم. لا تنقذه اللغة بقدر ما تزيد غربته.
تقنيات الصورة: سينما ما بعد الإدراك
يخالف إخراج غودار القواعد التقليدية للتصوير السينمائي، نجد أنفسنا أمام زوايا غريبة، أصوات منفصلة عن الصور، قطع مونتاجي فجّ… كل ذلك لتحطيم الإيهام السينمائي التقليدي، وخلق وعي نقدي بالفرجة ذاتها.
فقد استخدم غودار تقنية 3D لـ”هدم الرؤية” البصرية التقليدية، في مشهد شهير، تنقسم العدستان، فتُعرض صورتان مختلفتان على العينين اليمنى واليسرى، ما يُجبر الدماغ على اختيار زاوية والتخلي عن الأخرى.
هذه التقنية تتحول إلى بيان بصري يقنعنا أنه لا توجد رؤية شاملة. عليك أن تخسر شيئًا كي ترى شيئًا آخر. فالصورة عند غودار لم تعد تُطمئن، لم تعد تخدم السرد، نحن أمام سينما معرفية تُحرّض العقل على الشك والارتياب.
لا يتبع الفيلم تسلسلاً زمنيًا
من هنا تفكيك الزمن، السرد، والمكان إذ لا يتبع الفيلم تسلسلاً زمنيًا. تتكرر المشاهد، تتداخل، تتعارض، ينكسر السرد في كل لحظة. حيث نواجه سردا شعريا مفككا، أقرب إلى تداعي الصور في اللاوعي. بهذا يحقق غودار سينما قريبة من القصيدة الحديثة: لا معنى مباشر بل شبكة من الانفعالات، الإشارات والتمزقات.
رجل وامرأة يعيشان علاقة غرامية فكرية تتخللها صراعات ومونولوجات وجودية. بينما يتجول الكلب روكسي بحرية بين الطبيعة والبيت، ويُقدَّم بوصفه الكائن الأكثر حرية في الفيلم. شخصيات ثانوية ومقاطع أرشيفية تظهر وتختفي بلا سياق واضح.
لا توجد “حبكة” وندخل كمشاهدين في متاهة فوضى سردية تقصد إعلان انهيار “المعنى” التقليدي في التواصل واللغة، وموت العلاقة العضوية بين الفكرة والتعبير، بين الداخل والظاهر، تقول إحدى شخصيات الفيلم: “اللغة كانت تُسخِّر الأفكار، الآن لم تعد تخدم حتى نفسها.”
كل العبارات الفلسفية التي يوردها غودار في الفيلم، لا تأتي في سياق حوارات درامية تقليدية، بل تُلقى كتعليق صوتي، أو تُكتب أحيانًا على الشاشة، أو تُلفظ من شخصيات لا تُعرف هوياتها بدقة. هذا الأسلوب يُجسد تفكيك غودار للسرد واللغة معا، حيث تتحول الجملة إلى رصاصة فكرية أكثر منها أداة تواصل.
يدعونا فيلم “وداعًا للغة” للتورط في الصورة، في العبث، في الفجوة بين العين والمعنى.
تورطنا في سؤال مفتوح: هل ما زالت اللغة ممكنة؟ وهل ما زال الإنسان يستحقها؟
قال غودار ذات مرة: “أصنع أفلاما لكي أرى، لا لكي أُفهِم.” وهذا الفيلم تحديدًا، دعوة لرؤية ما بعد اللغة، ما بعد الإنسان، ما بعد الفن المُعلّب. دعوة لتأمل المسافة بين العين والذاكرة، بين القول والدلالة، بين التعبير والصمت.
إن فيلم “وداعًا للغة عمل سينمائي مضاد للترويض، ومناهض للفهم السهل، يُشبه الحلم المتكسر، أو لحظة تأمل في عين حيوان لا يحكم على العالم بل يمرّ فيه.
العنوان نفسه “وداعًا للغة” يحمل بعد تآكل قدرة اللغة على تمثيل الواقع أو خلق علاقة إنسانية حقيقية. فكل الحوارات في الفيلم متكسّرة، متداخلة، أحياناً متناقضة، نرى صداماً بين الصورة والكلمة، حيث الصورة تُكذب اللغة أو تحرّض عليها.
لقد صور الفبيلم بتقنية 3D بطريقة مبتكرة غير خاضعة لقواعد السينما التي اعتدناها، إذ لا يحكي الفيلم قصة متماسكة، بقدر ما يقدم شظايا من المونولوجات، الصور والأفكار التي تُصطدم ببعضها..
في فيلمه التجريبي “وداعًا للغة ” يعلن جان لوك غودار عن قطيعة جذرية مع ما تبقى من بقايا السرد السينمائي، ليفتح بوابة ما يمكن تسميته بـ”ما بعد السينما” أو سينما الرفض. يقدّم عرضا فلسفيا نثريًا، مجزّأ عن انهيار اللغة، فشل الإنسان في التواصل وموت الحكاية. إنه وداع للغة، للحب، للسينما وللثقة القديمة في الصور.
تفكيك اللغة.. هكذا تخون الكلمات العالم
يقدم المخرج قطعا مشوشة من حوارات بين امرأة ورجل يلتقيان، يتحاوران، يتخاصمان، ويتجاوران جسديًا دون قدرة حقيقية على التواصل.
تبدو العلاقة بينهما مشوبة بالعنف، بالبرود، وبسوء الفهم. لا نعرف عنهما الكثير: لا أسماء واضحة، لا خلفيات نفسية مكتملة، فقط شذرات من كلام وذاكرة وجسد.
جل الحوارات تدور حول أن اللغة لم تعد تخدم الأفكار بل تعيقها، تتحوّل اللغة من وسيط للتواصل إلى أداة للتيه، تتخلل هذا السرد مقاطع من اقتباسات فلسفية وأدبية، صور للطبيعة، للحيوانات، للحرب، للتكنولوجيا، وللجسد.
حيث يفضح غودار وهم الدلالة المستقرة. فالحوار مفكك، الأصوات متقطعة والعبارات تنبع من فراغ لا يُستدل عليه. نحن هنا في فضاء تفكيكي بامتياز. “أنا أتحدث إليك، لكن من يتكلم؟”
الكائن الأكثر قربا من الحقيقة هو “روكسي”، كلب غودار الشخصي
اللافت في الفيلم أن الكائن الأكثر قربا من الحقيقة هو “روكسي”، كلب غودار الشخصي الذي يحتل موقعا مركزيا.
بينما يتعثر البشر في لغتهم وجسدهم وشكوكهم، يمشي الكلب بحرية، يرى، يصغي، دون أن يحتاج إلى تأويل. يقول الراوي:
“الحيوان لا يعرف أنه سيموت. الإنسان يعرف، لكنه لا يصدق.” الكلب (روكسي) كائن يرى العالم دون لغة، دون أيديولوجيا، دون أكاذيب. في حضوره، يقارن غودار بين براءة الإدراك الطبيعي وفساد اللغة البشرية.
يبدو الكلب شاهدا صامتا على عبث الإنسان، يشير رمزيًا إلى ما قبل اللغة، إلى الطهر الحسي، إلى رؤية غير مُفسدة بالبنية الرمزية. وهكذا، يصبح “روكسي” استعارة عميقة لكائن لم تُفسده الثقافة ولا يحتاج إلى حكاية ليعيش.
“وداعًا للغة” هو أيضًا وداع للسينما كما عرفناها، لم يعد الفيلم يطمح إلى سرد قصة أو تقديم شخصيات، إنه وداع للإنسان نفسه، كما صوّرته الحداثة: الكائن العقلاني، اللغوي، القادر على التفسير. على العكس يبدو الإنسان الغوداري كائن مشوش، وحيد، عاجز عن الحب والتفاهم. لا تنقذه اللغة بقدر ما تزيد غربته.
تقنيات الصورة: سينما ما بعد الإدراك
يخالف إخراج غودار القواعد التقليدية للتصوير السينمائي، نجد أنفسنا أمام زوايا غريبة، أصوات منفصلة عن الصور، قطع مونتاجي فجّ… كل ذلك لتحطيم الإيهام السينمائي التقليدي، وخلق وعي نقدي بالفرجة ذاتها.
فقد استخدم غودار تقنية 3D لـ”هدم الرؤية” البصرية التقليدية، في مشهد شهير، تنقسم العدستان، فتُعرض صورتان مختلفتان على العينين اليمنى واليسرى، ما يُجبر الدماغ على اختيار زاوية والتخلي عن الأخرى.
هذه التقنية تتحول إلى بيان بصري يقنعنا أنه لا توجد رؤية شاملة. عليك أن تخسر شيئًا كي ترى شيئًا آخر. فالصورة عند غودار لم تعد تُطمئن، لم تعد تخدم السرد، نحن أمام سينما معرفية تُحرّض العقل على الشك والارتياب.
لا يتبع الفيلم تسلسلاً زمنيًا
من هنا تفكيك الزمن، السرد، والمكان إذ لا يتبع الفيلم تسلسلاً زمنيًا. تتكرر المشاهد، تتداخل، تتعارض، ينكسر السرد في كل لحظة. حيث نواجه سردا شعريا مفككا، أقرب إلى تداعي الصور في اللاوعي. بهذا يحقق غودار سينما قريبة من القصيدة الحديثة: لا معنى مباشر بل شبكة من الانفعالات، الإشارات والتمزقات.
رجل وامرأة يعيشان علاقة غرامية فكرية تتخللها صراعات ومونولوجات وجودية. بينما يتجول الكلب روكسي بحرية بين الطبيعة والبيت، ويُقدَّم بوصفه الكائن الأكثر حرية في الفيلم. شخصيات ثانوية ومقاطع أرشيفية تظهر وتختفي بلا سياق واضح.
لا توجد “حبكة” وندخل كمشاهدين في متاهة فوضى سردية تقصد إعلان انهيار “المعنى” التقليدي في التواصل واللغة، وموت العلاقة العضوية بين الفكرة والتعبير، بين الداخل والظاهر، تقول إحدى شخصيات الفيلم: “اللغة كانت تُسخِّر الأفكار، الآن لم تعد تخدم حتى نفسها.”
كل العبارات الفلسفية التي يوردها غودار في الفيلم، لا تأتي في سياق حوارات درامية تقليدية، بل تُلقى كتعليق صوتي، أو تُكتب أحيانًا على الشاشة، أو تُلفظ من شخصيات لا تُعرف هوياتها بدقة. هذا الأسلوب يُجسد تفكيك غودار للسرد واللغة معا، حيث تتحول الجملة إلى رصاصة فكرية أكثر منها أداة تواصل.
يدعونا فيلم “وداعًا للغة” للتورط في الصورة، في العبث، في الفجوة بين العين والمعنى.
تورطنا في سؤال مفتوح: هل ما زالت اللغة ممكنة؟ وهل ما زال الإنسان يستحقها؟
قال غودار ذات مرة: “أصنع أفلاما لكي أرى، لا لكي أُفهِم.” وهذا الفيلم تحديدًا، دعوة لرؤية ما بعد اللغة، ما بعد الإنسان، ما بعد الفن المُعلّب. دعوة لتأمل المسافة بين العين والذاكرة، بين القول والدلالة، بين التعبير والصمت.
إن فيلم “وداعًا للغة عمل سينمائي مضاد للترويض، ومناهض للفهم السهل، يُشبه الحلم المتكسر، أو لحظة تأمل في عين حيوان لا يحكم على العالم بل يمرّ فيه.
الرئيسية















