بقلم : عدنان بنشقرون
لنعد إلى الوقائع. نعم، هناك ضربة جزاء. نعم، يمكن للحكم أن يحتسبها، كما يمكنه في حالات أخرى أن يترك اللعب مستمرًا بحسب تقديره. كرة القدم الحديثة تعيش داخل هذه المنطقة الرمادية، التي زادتها تقنية “الفار” وتعاقب الإعادات البطيئة تعقيدًا. لكن اختزال الفوز المغربي في صفارة حكم هو قراءة كسولة للمباراة. على امتداد أغلب أطوار اللقاء، فرض المغرب إيقاعه، واستحوذ على الكرة، وخنق المحاولات التنزانية. التفوق الترابي والتقني كان واضحًا.
تنزانيا لعبت بشجاعة وانضباط، ولم تحاول التحايل. كتلة دفاعية منخفضة، انتقالات سريعة، واندفاع بدني كبير: الخطة كانت واضحة. لكنها بلغت حدودها أمام منتخب مغربي أكثر نضجًا، يعرف كيف يصبر دون ارتباك، وكيف يرفع النسق في اللحظة المناسبة، وكيف يدبّر فترات الضغط دون أن ينهار. ضربة الجزاء لم تصنع هذا التفوق، بل جسدته فقط على لوحة النتيجة.
هذا النوع من الجدل يقول الكثير عن علاقتنا بكرة القدم. فكلما فاز منتخب كبير، خصوصًا في إفريقيا، يظهر الشك تلقائيًا. كأن الانتصار لا يمكن تفسيره إلا إذا كان مشوبًا بشيء ما. والحال أن أسود الأطلس لم يعودوا مفاجأة؛ إنهم منتخب منتظر، مراقَب، وأحيانًا مثير للغيرة. كل قرار تحكيمي لصالحهم يتحول إلى “دليل إدانة”، نادرًا ما يُقابله تحليل متوازن للفرص الضائعة، أو للثنائيات الرابحة، أو للانسجام الجماعي.
الفوز لا يعني فقط تسجيل الأهداف. الفوز هو أيضًا القدرة على فرض الضغط داخل منطقة الخصم، ودفعه إلى ارتكاب الخطأ، وانتزاع القرار. ضربة الجزاء جزء من اللعبة، تمامًا مثل ركنية سيئة الإبعاد أو لمسة يد غير مقصودة. وهي لا تنتقص شيئًا من الأداء العام، ولا من استحقاق فريق فعل ما يلزم ليخرج منتصرًا.
اهم ما يمكن استخلاصه هو أن المغرب يتقدم، يحصد النقاط، يطور آلياته الجماعية، ويؤكد مكانته. المباريات المثالية لا وجود لها، خاصة في سياقات تنافسية وبدنية قوية. ما يهم هو الانتصارات المبنية، حتى وإن كانت غير مكتملة. نعم، كانت هناك ضربة جزاء. لكن الأهم، كانت هناك رغبة حقيقية في الفوز. وقد تحقق ذلك.
لا شيء يُكتب سلفًا في كرة القدم
ضربة الجزاء التي حصلت عليها تنزانيا كان من الممكن جدًا إضاعتها. وحتى لو تم تسجيلها، فالمباراة لم تكن لتنتهي عند ذلك الحد. كانت هناك الأشواط الإضافية، التي كان بإمكان المغرب أن يحسم خلالها المواجهة. وفي آخر المطاف، كانت ركلات الترجيح ستبقى خيارًا قائمًا. ولا شيء يؤكد أن المغرب لم يكن سيسجل، أو أنه لم يكن سيحجز بطاقة التأهل إلى ربع النهائي.
هكذا هي كرة القدم: غير قابلة للتوقع، مليئة بالمفاجآت، وغالبًا قاسية على من يثقون باليقينيات السريعة
الرئيسية















