صحتنا

نصائح التغذية على مواقع التواصل.. بين التوعية والتضليل: كيف تحمي صحتك من المعلومات الخاطئة؟


في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي المصدر الأول للمعلومة لدى فئات واسعة من المجتمع، برزت التغذية كواحدة من أكثر المواضيع تداولاً وإثارة للجدل. بين وصفات “سحرية” لإنقاص الوزن، وحميات قاسية تعد بنتائج سريعة، ومكملات غذائية يتم الترويج لها بوعود مغرية، يجد المتابع نفسه أمام سيل من النصائح المتناقضة، يصعب التمييز فيه بين ما هو علمي وما هو مجرد تجربة شخصية أو محتوى تجاري.هذا الانتشار الواسع لمحتوى التغذية يطرح إشكالاً حقيقياً، لا يتعلق فقط بالمعلومة، بل بسلامة الأفراد الصحية، خصوصاً في ظل غياب تأطير علمي لدى عدد كبير من صناع المحتوى.



نصائح بلا خلفية علمية.. مخاطر غير مرئية

أحد أبرز مظاهر هذا الواقع يتمثل في تقديم نصائح غذائية من طرف أشخاص لا يتوفرون على تكوين أكاديمي أو خبرة مهنية في المجال. هؤلاء “الخبراء الجدد” يعرضون أنظمة غذائية موحدة، دون مراعاة الفوارق الفردية بين الأشخاص، سواء من حيث العمر أو الحالة الصحية أو نمط الحياة.وتكمن خطورة هذا النوع من المحتوى في كونه قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل نقص الفيتامينات، اضطرابات الأكل، أو حتى تفاقم أمراض مزمنة. فاتباع حمية قاسية أو إقصاء مجموعات غذائية كاملة قد يُخلّ بالتوازن الذي يحتاجه الجسم ليعمل بشكل سليم.كما أن الترويج العشوائي للمكملات الغذائية دون استشارة طبية قد يشكل خطراً إضافياً، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو يتناولون أدوية قد تتفاعل مع هذه المنتجات.

 التغذية ليست وصفة واحدة للجميع
من بين الأخطاء الشائعة التي تروج لها بعض الحسابات، فكرة أن هناك “نظاماً غذائياً مثالياً” يصلح للجميع. والحقيقة أن التغذية علم دقيق يرتكز على معطيات شخصية متعددة، من بينها الوزن، الطول، الحالة الصحية، النشاط البدني، وحتى العوامل الوراثية.لذلك، فإن تعميم نفس النظام الغذائي على الجميع يُعد تبسيطاً مخلاً قد يؤدي إلى نتائج صحية غير مرغوب فيها، ويغفل عن خصوصية كل فرد واحتياجاته الغذائية المختلفة.

 كيف تميّز بين المعلومة الصحيحة والمضللة؟
أمام هذا الزخم من المحتوى، يصبح الوعي الرقمي ضرورة لا غنى عنها. ومن بين الخطوات الأساسية التي يُنصح بها:
التحقق من هوية صاحب المحتوى: هل هو أخصائي تغذية أو طبيب معتمد؟

-الحذر من الوعود السريعة: أي نظام يعد بنتائج “مضمونة” في وقت قصير غالباً ما يفتقر إلى أساس علمي.
-التمييز بين التجربة الشخصية والمعرفة العلمية.
-الرجوع إلى مصادر موثوقة أو استشارة مختص قبل اعتماد أي نظام غذائي.
-فالمعلومة الصحية ليست مجرد رأي، بل مسؤولية ترتبط بشكل مباشر بصحة الإنسان.

 بين حرية التعبير وحماية الصحة العامة
يثير انتشار هذا النوع من المحتوى نقاشاً متزايداً حول ضرورة تنظيم المجال الرقمي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالصحة. فبينما تتيح المنصات فضاء مفتوحاً لتبادل الأفكار، فإن غياب رقابة فعالة قد يسمح بانتشار معلومات مضللة تؤثر سلباً على الجمهور.وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى توازن دقيق بين حرية التعبير وحماية المستهلك، من خلال تعزيز آليات التحقق من المحتوى الصحي، وتشجيع المنصات على إبراز المعلومات الصادرة عن مختصين، إلى جانب فرض شفافية أكبر على الإعلانات المرتبطة بالمنتجات الغذائية.

 دور التوعية والمسؤولية الفردية
في مواجهة هذا الواقع، يظل دور المؤسسات الصحية محورياً في نشر الوعي وتوفير محتوى مبسط وموثوق ينافس ما يتم تداوله على المنصات الرقمية. كما أن للمستخدم دوراً أساسياً في التحلي باليقظة، وعدم الانسياق وراء كل ما يُنشر، خاصة إذا تعلق الأمر بصحته.فبناء ثقافة غذائية سليمة لا يتم عبر مقاطع قصيرة أو نصائح عابرة، بل عبر معرفة علمية دقيقة، واستشارة مختصين، واعتماد نمط حياة متوازن.

في عالم رقمي سريع الإيقاع، قد تبدو النصائح الغذائية المنتشرة على مواقع التواصل مغرية وسهلة التطبيق، لكنها في كثير من الأحيان تخفي وراءها مخاطر حقيقية. وبين الإغراء والواقع، تبقى القاعدة الذهبية واضحة: صحتك لا تُبنى على “ترند”، بل على معرفة علمية موثوقة واختيارات واعية.




الثلاثاء 5 ماي 2026
في نفس الركن