الثقة : رأس المال الاستراتيجي الجديد
يرى نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، أن مكافحة الفساد لم تعد تقتصر على سن قوانين جديدة أو تعزيز هيئات الرقابة. وكان هذا هو أبرز ما جاء في مداخلته خلال المؤتمر الوطني المنظم تحت شعار "صفر تسامح مع الفساد وتضارب المصالح".
وجاءت مداخلته، التي حملت عنوان "من منظومة النزاهة إلى دولة الثقة: رؤية للحكامة العمومية في أفق المغرب 2035"، لتتجاوز مجرد الحديث عن تخليق الحياة العامة، إذ قدمت تصورًا متكاملًا لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطنين والاقتصاد.
واستهل نزار بركة كلمته بالتأكيد على أن القضية لا تتعلق فقط بمحاربة الفساد أو تحديث الإدارة، بل تمس جوهر العقد الاجتماعي. وأوضح أن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في استعادة الثقة بين المؤسسات والمواطنين والفاعلين الاقتصاديين، باعتبارها شرطًا أساسيًا لتحقيق التنمية المستدامة في المغرب.
الالتزامات السياسية الخمسة لحزب الاستقلال
ذكّر الأمين العام بأن هذا اللقاء يندرج ضمن استمرارية الالتزامات السياسية الخمسة الكبرى التي صادق عليها المجلس الوطني للحزب، والتي تشمل حماية الأسرة والقيم الوطنية، والدفاع عن القدرة الشرائية، واعتماد سياسة "صفر تسامح" مع الفساد وتضارب المصالح، والحفاظ على جودة الخدمات العمومية الأساسية، وتعزيز السيادة الوطنية بمختلف أبعادها الاقتصادية والتكنولوجية والغذائية والمائية والرقمية.
ويرى نزار بركة أن تقييم الدول لم يعد يعتمد فقط على حجم اقتصادها أو ثرواتها الطبيعية، بل أصبح يقاس أيضًا بمدى الثقة التي تحظى بها مؤسساتها.
وأوضح أن ثقة المواطنين في الإدارة، وثقة المستثمرين في قواعد المنافسة، وثقة المجتمع في عدالة تُطبق على الجميع، تشكل اليوم رأس المال الاستراتيجي الحقيقي للدول الحديثة. وكلما ارتفع هذا الرصيد، ازدادت فعالية السياسات العمومية، وتحسن مناخ الاستثمار، وأثمرت الإصلاحات نتائج مستدامة.
مكتسبات مؤسساتية مهمة... لكن النتائج لم تحقق الأثر المأمول
اعترف زعيم حزب الاستقلال بحجم التقدم الذي حققه المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، من خلال دستور 2011، وتعزيز مؤسسات الحكامة، وتوسيع استقلالية هيئات الرقابة، وتحسين الإطار القانوني، وتحديث منظومة الصفقات العمومية، إلى جانب تسريع وتيرة الرقمنة الإدارية، غير أنه اعتبر أن هذه الإصلاحات لم تحقق بعد جميع آثارها المرجوة.
وأشار إلى أن المغرب حصل على 39 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد لسنة 2025، واحتل المرتبة 91 عالميًا. والأكثر إثارة للقلق، بحسب قوله، أن 72% من المواطنين المستجوبين يرون أن الفساد لا يزال منتشرًا على نطاق واسع، بينما صرح نحو مواطن واحد من كل خمسة بأنه تعرض خلال السنة الماضية لطلب رشوة أو اضطر إلى دفعها.
واعتبر أن هذه الأرقام تؤكد أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في سن المزيد من القوانين، بل في ضمان تطبيقها الفعلي على أرض الواقع
دخول مرحلة جديدة : بناء "دولة الثقة"
يرى نزار بركة أن المغرب مر بثلاث مراحل كبرى، تمثلت المرحلة الأولى في بناء المؤسسات وترسيخ دولة الحق والقانون. أما المرحلة الثانية، فتميزت بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.
واليوم، يؤكد أن المغرب مقبل على مرحلة ثالثة تتمثل في بناء "دولة الثقة"، حيث لن يُقاس أداء المؤسسات بمجرد وجودها، بل بمدى تأثيرها الملموس في تحسين الحياة اليومية للمواطنين.
ويضيف أن تحقيق هذا الطموح يرتكز على ستة محاور رئيسية، تشكل ما وصفه بالجيل الثاني من إصلاحات الحكامة.
ستة شروط لإنجاح مغرب 2035
يتمثل المحور الأول في الانتقال من الاكتفاء بإصدار المزيد من النصوص القانونية إلى ترسيخ ثقافة حقيقية لدولة الحق والقانون. فالتطبيق العادل للقانون، وتبسيط المساطر، وتسريع وتيرة العدالة، وتوفير الأمن القانوني، كلها شروط أساسية لبناء الثقة.
أما المحور الثاني، فيهدف إلى تعزيز التنسيق بين المؤسسات القائمة. ويؤكد نزار بركة أن الأولوية اليوم ليست لإحداث مؤسسات جديدة، بل لجعل المؤسسات الحالية أكثر فعالية، وأفضل تنسيقًا، وأكثر تركيزًا على تحقيق النتائج.
ويركز المحور الثالث على إصلاح الإدارة العمومية، حتى تصبح أكثر بساطة وسرعة وشفافية، وأن يكون هدفها الأساسي خدمة المواطن بدل الاكتفاء بتدبير الإجراءات الإدارية.
ويتعلق المحور الرابع بحماية القرار العمومي من تضارب المصالح، واقتصاد الريع، واستغلال السلطة، والإثراء غير المشروع. كما شدد الأمين العام لحزب الاستقلال على ضرورة تحديد المسؤوليات بشكل أوضح، وتقييم النتائج بموضوعية، مع توفير الحماية للمسؤولين العموميين الذين يمارسون مهامهم بحسن نية.
أما المحور الخامس، فيسعى إلى بناء اقتصاد قائم على المنافسة الشريفة، والاستحقاق، وتكافؤ الفرص. ويرى نزار بركة أن حماية المستهلك تمر أيضًا عبر اقتصاد أكثر انفتاحًا، وأقل خضوعًا لاقتصاد الريع، وأكثر دعمًا للمقاولات الصغرى والمتوسطة والابتكار.
ويضع المحور السادس الحكامة الرقمية والذكاء الاصطناعي في صلب الإصلاحات المستقبلية، من خلال توظيف التكنولوجيا لتعزيز الشفافية، وتحسين النجاعة، ودعم اتخاذ القرار، مع ضمان حماية المعطيات الشخصية واحترام المبادئ الأخلاقية.
رؤية تتجاوز مجرد مكافحة الفساد
في ختام مداخلته، أكد نزار بركة أن المغرب لم يعد مطالبًا بقياس نجاحه بعدد القوانين التي يعتمدها أو المؤسسات التي ينشئها، بل بقدرتها الفعلية على تحسين حياة المواطنين، ودعا إلى إطلاق مشروع جماعي تشارك فيه الدولة، والجماعات الترابية، والسلطة القضائية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والجامعة، ووسائل الإعلام، حول هدف مشترك يتمثل في جعل الثقة المحرك الحقيقي للتنمية.
ومن خلال هذه المداخلة، لم يكتف الأمين العام لحزب الاستقلال بتقديم برنامج لمحاربة الفساد، بل عرض رؤية سياسية أشمل للحكامة العمومية، تصبح فيها الثقة المؤشر الأساسي لقياس أداء الدولة.
وفي أفق الانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر 2026، تبرز هذه الفكرة باعتبارها أحد المرتكزات الرئيسية للمشروع الذي يطرحه حزب الاستقلال، والقائم على نقل المغرب من "ثقافة النزاهة" إلى "ثقافة الثقة"، باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه التنافسية الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي، والاستقرار المؤسساتي