حياتنا

ندبة صغيرة على الذراع… شاهدة على انتصار الطب على أحد أخطر الأمراض في التاريخ


قد يلاحظ كثيرون وجود ندبة دائرية صغيرة أعلى ذراع أحد الوالدين أو الأجداد، ويظنون أنها مجرد أثر لجرح قديم أو إصابة عابرة. غير أن الحقيقة مختلفة تماماً، فهذه العلامة هي في الغالب أثر لقاح الجدري، الذي كان يُعدّ لعقود أحد أهم اللقاحات في العالم.



كان لقاح الجدري يُعطى بطريقة تختلف عن اللقاحات المعروفة اليوم، إذ يُحقن في طبقات سطحية من الجلد بواسطة أداة خاصة، مما يؤدي إلى ظهور بثرة صغيرة تتحول لاحقاً إلى قشرة، ثم تلتئم تاركةً ندبة دائرية مميزة. وكانت هذه الندبة تُعتبر دليلاً على أن الجسم كوّن مناعة ضد المرض.

ويُعد الجدري من أخطر الأمراض المعدية التي عرفتها البشرية، إذ تسبب عبر القرون في وفاة ملايين الأشخاص، كما خلّف إعاقات وتشوهات دائمة لدى عدد كبير من الناجين. وقد تميز المرض بسرعة انتشاره وارتفاع نسبة الوفيات الناتجة عنه، ما جعله يشكل تحدياً صحياً عالمياً لسنوات طويلة.

غير أن حملات التلقيح الواسعة التي قادتها منظمة الصحة العالمية منذ ستينيات القرن الماضي غيّرت مسار التاريخ الصحي للبشرية. فبفضل التعاون الدولي والتغطية الشاملة بالتلقيح، أُعلن رسمياً سنة 1980 القضاء التام على مرض الجدري، ليصبح أول مرض بشري يتم استئصاله نهائياً من العالم.

وبعد هذا الإنجاز، توقفت معظم دول العالم عن إعطاء لقاح الجدري، لأن المرض لم يعد يشكل تهديداً للبشر. ولهذا السبب، فإن الأجيال التي وُلدت بعد ثمانينيات القرن الماضي لا تحمل عادة تلك الندبة المميزة، بينما لا تزال واضحة على أذرع من تلقوا اللقاح قبل القضاء على المرض.

ورغم صغر حجمها، تظل هذه الندبة شاهداً صامتاً على واحد من أعظم الإنجازات الطبية في التاريخ، وتذكيراً بالدور الحاسم الذي لعبته اللقاحات في إنقاذ حياة ملايين البشر، وإثباتاً لقدرة العلم والتعاون الدولي على القضاء على أمراض كانت تُعد يوماً من أكثر الأوبئة فتكاً بالإنسان.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 14 يوليو/جويلية 2026
في نفس الركن