هذا التوجه يعكس إدراكًا داخل الحزب بأن الرهان على الشباب لم يعد ممكنًا من خلال الخطاب وحده، بل يحتاج إلى أدوات تعاقدية جديدة تعيد بناء الثقة بين الأجيال الصاعدة والمؤسسات السياسية.
الميثاق الذي تم إخراجه في صيغته الحالية يمثل خلاصة هذا المسار التشاركي، حيث شارك أكثر من 15 ألف شابة وشاب في نقاشاته وورشاته وملتقياته، سواء عبر الفعاليات الحضورية أو المنصات الحوارية، أو من خلال الترافع حول قضايا الصحة والتعليم والشغل والحكامة والبيئة والمواطنة. وبذلك، فإن الوثيقة لا تُقدَّم باعتبارها برنامجا حزبيا أو خطة حكومية، بل باعتبارها أرضية تعاقدية مفتوحة تسعى إلى جمع الشباب حول مبادئ مشتركة وأولويات وطنية كبرى.
طبيعة هذا الميثاق تكمن في كونه إطارًا استراتيجيا مرجعيًا، يهدف إلى إعادة تعريف علاقة الشباب بالدولة وبالسياسات العمومية، انطلاقا من موقع الشريك لا التابع. فهو يستحضر في ديباجته الثوابت الدستورية للمملكة، من وحدة وطنية وملكية دستورية واختيار ديمقراطي، ويُدرج قضية الصحراء المغربية والتنمية الترابية والجهوية المتقدمة ضمن سياق السيادة والتنمية المتوازنة، باعتبارها رهانات حاسمة لمستقبل الأجيال القادمة.
أما من حيث المضمون، فإن الميثاق يقوم على ثلاثة أعمدة كبرى. أولها ضمان ولوج الشباب إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها تعليم عمومي بجودة موحدة، وتكوين مهني مرتبط بسوق الشغل، وخدمات صحية تشمل الصحة النفسية، وشغل لائق يضمن الكرامة، وسياسات عمومية موجهة للشباب في العالم القروي والمناطق الهشة. وهو في هذا الإطار لا يكتفي بالمطالب التقليدية، بل يطرح بدائل مبتكرة مثل دعم التشغيل الجمعوي، وإدماج العاملين في القطاع غير المهيكل، وتشجيع الاقتصاد الرقمي والمقاولة الشبابية.
العمود الثاني يتمثل في تمكين الشباب من قيم ومهارات القرن الواحد والعشرين، حيث يركز الميثاق على بناء شخصية شابة قادرة على التكيف، والتفكير النقدي، والمبادرة، والتفاعل الإيجابي مع العالم الرقمي والعولمة، دون التفريط في الانتماء الوطني. كما يمنح بعدًا مركزيا لقضايا الاستدامة والبيئة والمواطنة الرقمية ومحاربة التضليل وخطابات الكراهية، في وعي واضح بطبيعة التحديات الجديدة التي تواجه المجتمعات.
أما العمود الثالث فيرتبط بالمشاركة في اتخاذ القرار، وهو من أكثر محاور الميثاق حساسية سياسيا. فالوثيقة تدعو إلى تمكين حقيقي للشباب داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، وتوسيع آليات الديمقراطية التشاركية، وتبسيط مساطر العرائض والملتمسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة الفساد، باعتبار ذلك شرطا أساسيا لإعادة الثقة في العمل العام.
في المجمل، يقدم “ميثاق 11 يناير للشباب” نفسه كتجديد رمزي وروحي لعريضة 11 يناير 1944، ولكن بلغة القرن الواحد والعشرين. فكما طالب جيل الاستقلال بالحرية والسيادة، يطالب جيل اليوم بالكرامة والفرص والمشاركة. وبين هذين الجيلين، يسعى حزب الاستقلال، عبر هذا الميثاق، إلى بناء جسر سياسي ومجتمعي يعيد للشباب موقعهم الطبيعي في قلب المشروع الوطني المغربي.
الرئيسية















