وأعلنت تنسيقية النقابات الوطنية لقطاع النقل الطرقي للبضائع رفع سقف انتقاداتها للسلطات الوصية، عقب قرار اعتماد صيغة جديدة لصرف الدعم تقوم على تحويله بشكل نصف شهري بدل النظام الشهري المعمول به سابقاً. واعتبرت التنسيقية أن هذا التغيير تم دون تقديم توضيحات كافية للمهنيين، ما زاد من حالة الغموض وعدم الثقة بين الحكومة والقطاع.
وترى الهيئات المهنية أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق فقط بوتيرة صرف الدعم، بل بطبيعة المقاربة الحكومية في التعامل مع ملف النقل، والتي تصفها بأنها تفتقر إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى. فبحسب النقابات، لا يمكن معالجة أزمة بهذا الحجم عبر إجراءات ظرفية أو حلول مؤقتة، في وقت تتراكم فيه الأعباء المالية على المهنيين بشكل متواصل، من أسعار الوقود إلى تكاليف الصيانة وقطع الغيار والتأمين والضرائب.
كما وجهت التنسيقية انتقادات حادة لشركات توزيع المحروقات، متهمة إياها بتحقيق أرباح كبيرة على حساب المهنيين والمستهلكين، وسط غياب إجراءات رقابية صارمة تحد من ارتفاع الأسعار. واعتبرت أن الحكومة تلتزم الصمت إزاء ما تصفه بـ”اختلالات سوق المحروقات”، رغم تأثيرها المباشر على القدرة الشرائية وعلى كلفة النقل والإنتاج بشكل عام.
في المقابل، تؤكد الحكومة أن الدعم المخصص لقطاع النقل يشكل مجهوداً مالياً ضخماً تتحمله ميزانية الدولة في ظرفية اقتصادية دولية معقدة. وفي هذا الإطار، شدد الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، على أن الدولة تواصل التدخل لحماية القدرة الشرائية والحفاظ على توازن عدد من القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها النقل.
وكشف المسؤول الحكومي أن الدولة تخصص شهرياً حوالي 650 مليون درهم لدعم قطاع النقل، إلى جانب 600 مليون درهم لدعم غاز البوتان، ونحو 300 مليون درهم لضمان استقرار أسعار الكهرباء، معتبراً أن هذه الأرقام تعكس حجم التدخل العمومي لمواجهة تداعيات الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة.
وأوضح لقجع أن أسعار المحروقات في المغرب تبقى مرتبطة بشكل مباشر بتقلبات السوق الدولية، خاصة بعد الارتفاعات المتتالية التي شهدتها أسعار النفط عالمياً خلال الأشهر الماضية، وما رافقها من اضطرابات جيوسياسية أثرت على أسواق الطاقة وسلاسل التوريد. وترى الحكومة أن هامش تدخلها يظل محدوداً أمام التحولات العالمية التي تضغط على أسعار الاستيراد.
غير أن هذه التبريرات لا تبدو كافية بالنسبة لمهنيي النقل، الذين يؤكدون أن الدعم الحالي لم يعد يواكب الواقع الاقتصادي للقطاع، خصوصاً مع الارتفاع المستمر في تكاليف التشغيل اليومية. ويشير عدد من المهنيين إلى أن العديد من المقاولات الصغيرة أصبحت تواجه صعوبات حقيقية في تغطية مصاريفها الأساسية، ما يهدد بخروجها من السوق في حال استمر الوضع على ما هو عليه.
وتحذر النقابات من أن استمرار الأزمة قد تكون له انعكاسات أوسع على الاقتصاد الوطني، بالنظر إلى الدور الحيوي الذي يلعبه النقل الطرقي في حركة البضائع والتموين والأسعار. فكل ارتفاع في تكاليف النقل ينعكس بشكل مباشر على أسعار المنتجات والخدمات، ما يزيد الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي خضم هذا الجدل، تعود مطالب اعتماد “الغازوال المهني” إلى الواجهة باعتبارها أحد الحلول التي يراها المهنيون أكثر استدامة وفعالية. وتدعو النقابات إلى إقرار نظام واضح يضمن سعراً تفضيلياً للوقود الموجه لقطاع النقل المهني، بما يسمح بتخفيف أثر تقلبات السوق الدولية وحماية المقاولات من الإفلاس.