بقلم: الدكتور أنور الشرقاوي، خبير في التواصل الطبي والصحي
ويرى عدد كبير من الأطباء أن الصيغة الجديدة للمشروع توحي بتعزيز حضور الدولة في تدبير الشأن المهني، بما قد يقلص من هامش الاستقلالية الذي ظل، عبر التاريخ، أحد أهم المقومات التي تقوم عليها ممارسة الطب، باعتباره مهنة ترتبط قبل كل شيء بمصلحة المريض وبالالتزام بالأخلاقيات والمعايير العلمية.
وتأتي هذه المخاوف في ظرفية دقيقة، تزامنت مع ما رافق تجديد عدد من الهياكل النقابية من نقاشات وانتقادات، كشفت عن مشهد نقابي يعاني التشتت وضعف التنسيق، وهو ما يجعل الجسم الطبي أقل قدرة على الدفاع عن قضاياه في مواجهة التحولات الكبرى التي يعرفها القطاع.
ولم يكن استقلال الأطباء عن السلطة السياسية، في مختلف التجارب الدولية، امتيازاً مهنياً بقدر ما كان ضمانة لحماية المريض وصون جودة الخدمات الصحية. فاستقلالية القرار الطبي تسمح للطبيب بأن يمارس مهامه وفق ما تمليه المعرفة العلمية وأخلاقيات المهنة، بعيداً عن أي اعتبارات إدارية أو سياسية قد تؤثر في خياراته العلاجية.
وفي الأنظمة الديمقراطية، تقوم الهيئات المهنية بدور مستقل يتمثل في حماية أخلاقيات المهنة والسهر على احترام قواعدها، بينما تضطلع النقابات بالدفاع عن الحقوق المهنية والاجتماعية والاقتصادية للأطباء. ويعد هذا التوزيع الواضح للاختصاصات أحد أهم عناصر التوازن داخل المنظومة الصحية، لأنه يضمن وجود مؤسسات رقابية مستقلة إلى جانب تمثيلية نقابية قادرة على التفاوض والحوار مع السلطات العمومية.
وعندما يختل هذا التوازن، تصبح الإدارة الفاعل الأكثر حضوراً في تدبير شؤون المهنة، بينما تتراجع قدرة الأطباء على التأثير في القرارات التي تمس مستقبلهم المهني. فالمجالس المهنية، مهما كانت مكانتها، تبقى معنية أساساً بالجوانب التنظيمية والأخلاقية والتأديبية، في حين تظل ملفات الأجور، وظروف العمل، والحماية الاجتماعية، وحرية ممارسة المهنة، من صميم اختصاص التنظيمات النقابية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى نقابات قوية وذات مصداقية، تستند إلى تمثيلية واسعة واستقلال مالي وخبرة قانونية وتقنية، بما يمكنها من تقديم مقترحات عملية، وخوض حوار مؤسساتي متوازن مع الدولة، والدفاع عن مصالح الأطباء بكفاءة ومسؤولية.
أما النقابات التي تفتقر إلى التمثيلية أو الإمكانات أو الرؤية، فإنها تفقد تدريجياً قدرتها على التأثير، في الوقت الذي تشكل فيه التنظيمات النقابية الموحدة والقوية شريكاً أساسياً في إنجاح الإصلاحات، من خلال المساهمة في بلورة السياسات العمومية، لا عبر منطق المواجهة، وإنما في إطار التشاور والتعاون.
ويأتي هذا النقاش في وقت يشهد فيه المغرب واحدة من أوسع ورشات إصلاح المنظومة الصحية، تشمل تعميم التغطية الصحية، وإرساء المجموعات الصحية الترابية، وإصلاح المستشفيات، وتطوير الموارد البشرية، وتعزيز الجهوية في الخدمات الصحية، وهي إصلاحات تجعل من الضروري إشراك مختلف الفاعلين المهنيين في صياغة مستقبل القطاع.
ولذلك، فإن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بمناقشة مشروع قانون جديد، بل يمتد إلى تحديد النموذج الذي يريده المغرب لمهنته الطبية: هل ستكون مهنة مستقلة، شريكة للدولة في صنع القرار الصحي، وقادرة على تقديم الرأي والخبرة؟ أم ستتجه تدريجياً نحو مزيد من التدبير الإداري الذي قد يحد من استقلالية القرار المهني؟
إن مستقبل الطب المغربي لن يتوقف على النصوص القانونية وحدها، بل على قدرة مختلف المؤسسات المهنية والنقابية على بناء شراكة متوازنة مع الدولة، تجعل مصلحة المريض، وجودة العلاج، واستقلالية القرار الطبي، في صدارة الأولويات.
وتأتي هذه المخاوف في ظرفية دقيقة، تزامنت مع ما رافق تجديد عدد من الهياكل النقابية من نقاشات وانتقادات، كشفت عن مشهد نقابي يعاني التشتت وضعف التنسيق، وهو ما يجعل الجسم الطبي أقل قدرة على الدفاع عن قضاياه في مواجهة التحولات الكبرى التي يعرفها القطاع.
ولم يكن استقلال الأطباء عن السلطة السياسية، في مختلف التجارب الدولية، امتيازاً مهنياً بقدر ما كان ضمانة لحماية المريض وصون جودة الخدمات الصحية. فاستقلالية القرار الطبي تسمح للطبيب بأن يمارس مهامه وفق ما تمليه المعرفة العلمية وأخلاقيات المهنة، بعيداً عن أي اعتبارات إدارية أو سياسية قد تؤثر في خياراته العلاجية.
وفي الأنظمة الديمقراطية، تقوم الهيئات المهنية بدور مستقل يتمثل في حماية أخلاقيات المهنة والسهر على احترام قواعدها، بينما تضطلع النقابات بالدفاع عن الحقوق المهنية والاجتماعية والاقتصادية للأطباء. ويعد هذا التوزيع الواضح للاختصاصات أحد أهم عناصر التوازن داخل المنظومة الصحية، لأنه يضمن وجود مؤسسات رقابية مستقلة إلى جانب تمثيلية نقابية قادرة على التفاوض والحوار مع السلطات العمومية.
وعندما يختل هذا التوازن، تصبح الإدارة الفاعل الأكثر حضوراً في تدبير شؤون المهنة، بينما تتراجع قدرة الأطباء على التأثير في القرارات التي تمس مستقبلهم المهني. فالمجالس المهنية، مهما كانت مكانتها، تبقى معنية أساساً بالجوانب التنظيمية والأخلاقية والتأديبية، في حين تظل ملفات الأجور، وظروف العمل، والحماية الاجتماعية، وحرية ممارسة المهنة، من صميم اختصاص التنظيمات النقابية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى نقابات قوية وذات مصداقية، تستند إلى تمثيلية واسعة واستقلال مالي وخبرة قانونية وتقنية، بما يمكنها من تقديم مقترحات عملية، وخوض حوار مؤسساتي متوازن مع الدولة، والدفاع عن مصالح الأطباء بكفاءة ومسؤولية.
أما النقابات التي تفتقر إلى التمثيلية أو الإمكانات أو الرؤية، فإنها تفقد تدريجياً قدرتها على التأثير، في الوقت الذي تشكل فيه التنظيمات النقابية الموحدة والقوية شريكاً أساسياً في إنجاح الإصلاحات، من خلال المساهمة في بلورة السياسات العمومية، لا عبر منطق المواجهة، وإنما في إطار التشاور والتعاون.
ويأتي هذا النقاش في وقت يشهد فيه المغرب واحدة من أوسع ورشات إصلاح المنظومة الصحية، تشمل تعميم التغطية الصحية، وإرساء المجموعات الصحية الترابية، وإصلاح المستشفيات، وتطوير الموارد البشرية، وتعزيز الجهوية في الخدمات الصحية، وهي إصلاحات تجعل من الضروري إشراك مختلف الفاعلين المهنيين في صياغة مستقبل القطاع.
ولذلك، فإن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بمناقشة مشروع قانون جديد، بل يمتد إلى تحديد النموذج الذي يريده المغرب لمهنته الطبية: هل ستكون مهنة مستقلة، شريكة للدولة في صنع القرار الصحي، وقادرة على تقديم الرأي والخبرة؟ أم ستتجه تدريجياً نحو مزيد من التدبير الإداري الذي قد يحد من استقلالية القرار المهني؟
إن مستقبل الطب المغربي لن يتوقف على النصوص القانونية وحدها، بل على قدرة مختلف المؤسسات المهنية والنقابية على بناء شراكة متوازنة مع الدولة، تجعل مصلحة المريض، وجودة العلاج، واستقلالية القرار الطبي، في صدارة الأولويات.