فن وفكر

مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة 2026.. «المعلمين» في قلب احتفاء روحي يعيد إحياء ذاكرة المدينة العتيقة


تستعد مدينة فاس لاحتضان واحدة من أبرز التظاهرات الثقافية والروحية بالمغرب والعالم، مع اقتراب انطلاق الدورة التاسعة والعشرين من مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، المرتقبة ما بين 4 و7 يونيو 2026، في نسخة اختارت أن تكرم “المعلمين” باعتبارهم حراس الذاكرة الحرفية والروحية للمدينة العتيقة.وفي دورة تحمل شعار “فاس والمعلمين.. حماة التراث”، يعود المهرجان هذه السنة ليحتفي بالإنسان الذي صنع هوية فاس عبر القرون؛ الحرفي التقليدي، الصانع الماهر، والمعلم الذي نقل أسرار الصناعة المغربية من جيل إلى آخر، وأسهم في تشييد المعالم التاريخية والزوايا والمدارس والأسواق التي جعلت من العاصمة العلمية للمملكة واحدة من أعرق المدن الإسلامية في العالم.



فاس تستعيد روحها عبر الموسيقى والتراث

منذ تأسيسه سنة 1994، نجح مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة في التحول إلى موعد ثقافي وروحي عالمي، يجمع فنانين ومفكرين وموسيقيين من مختلف الثقافات والأديان، في احتفاء استثنائي بقيم الحوار والتسامح والانفتاح.

لكن دورة 2026 تبدو مختلفة، لأنها لا تكتفي بالاحتفاء بالموسيقى فقط، بل تعود إلى الجذور العميقة للمدينة، من خلال تسليط الضوء على “المعلمين” الذين شكلوا روح فاس العمرانية والإنسانية.فالمدينة العتيقة، المصنفة تراثاً عالمياً من طرف اليونسكو، لم تُبنَ فقط بالحجارة والزليج والخشب المنقوش، بل بمهارات رجال ونساء حافظوا على حرف تقليدية نادرة، مثل:

-النقش على الجبس والخشب
-الزليج الفاسي
-النحاس التقليدي
-الدباغة والصباغة
-الخط العربي
-الصناعات الجلدية والنسيج التقليدي

وهي الحرف التي تحولت مع الزمن إلى جزء من الهوية الثقافية المغربية.

برنامج فني وروحي يحتفي بالذاكرة المغربية
ووفق المعطيات الأولية التي كشفت عنها مؤسسة روح فاس المنظمة للمهرجان، فإن دورة هذه السنة ستجمع بين الموسيقى الروحية والعروض الفنية واللقاءات الفكرية والأنشطة الثقافية التي تستحضر الذاكرة الجماعية للمدينة.

وسيعيش زوار المهرجان على إيقاع:

-سهرات موسيقية عالمية
-أمسيات للسماع الصوفي
-عروض شعرية وفنية
-لقاءات فكرية حول التراث
-تكريمات لرموز الصناعة التقليدية
-عروض تحتفي بالأصوات النسائية الروحية

كما ستقام فعاليات المهرجان داخل فضاءات تاريخية وطبيعية متنوعة، من بينها حدائق وقصور وساحات المدينة العتيقة، ما يمنح التجربة بعداً جمالياً وروحياً خاصاً.

«المعلم».. رمز الهوية المغربية الأصيلة
اختيار “المعلمين” محوراً لهذه الدورة لم يأتِ من فراغ، بل يعكس وعياً متزايداً بأهمية الحفاظ على التراث اللامادي المغربي، خصوصاً في ظل التحولات الاجتماعية والرقمية التي تهدد عدداً من الحرف التقليدية بالاندثار.

فـ”المعلم” في الثقافة المغربية ليس مجرد حرفي، بل شخصية رمزية تمثل:

-الحكمة والخبرة
-الصبر والإبداع
-نقل المعرفة بين الأجيال
-الارتباط بالهوية المحلية
-الحفاظ على روح المدن العتيقة

ومن خلال هذا الاحتفاء، يسعى المهرجان إلى إعادة الاعتبار لهؤلاء الحرفيين الذين ساهموا في بناء الذاكرة البصرية والروحية لفاس والمغرب عموماً.

فاس.. مدينة الروح والتسامح
وعلى امتداد عقود، رسخ مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة مكانته كأحد أهم المهرجانات الثقافية ذات البعد الروحي في العالم، بفضل قدرته على الجمع بين موسيقى الشرق والغرب، وبين الثقافات والأديان المختلفة.وقد اختارت منظمة الأمم المتحدة في وقت سابق تصنيف المهرجان ضمن المبادرات الثقافية التي تساهم في تعزيز الحوار بين الحضارات والتقارب بين الشعوب.

ويُعرف المهرجان بطابعه الفريد الذي يمزج بين: الموسيقى الصوفية الموسيقى الأندلسية التراث الإفريقي الإيقاعات الشرقية الموسيقى الروحية العالمية وهو ما جعل مدينة فاس تتحول كل سنة إلى ملتقى عالمي للفن والروحانية والثقافة.
السياحة الثقافية تعود إلى الواجهة
ويرى مهتمون بالشأن الثقافي أن مهرجان فاس أصبح أيضاً رافعة مهمة للسياحة الثقافية بالمغرب، خصوصاً مع تزايد اهتمام الزوار الأجانب بالتجارب الفنية والروحية المرتبطة بالتراث المغربي.

فخلال فترة المهرجان، تعرف المدينة العتيقة إقبالاً كبيراً من السياح والباحثين والفنانين القادمين من مختلف أنحاء العالم، ما ينعكس إيجاباً على الحركة الاقتصادية والفندقية والصناعات التقليدية.كما يمثل الحدث فرصة لإبراز غنى التراث المغربي والتعريف بالحرف التقليدية التي تشكل جزءاً من القوة الناعمة للمملكة على المستوى الدولي.

مهرجان يحافظ على روح فاس
وبين أصوات السماع الصوفي، ونغمات الموسيقى العالمية، وحكايات “المعلمين” الذين صنعوا تاريخ المدينة، تواصل فاس كتابة فصل جديد من علاقتها العريقة بالفن والروح والتراث.وفي زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية والثقافية، يبدو مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة أكثر من مجرد حدث فني؛ إنه دعوة جماعية للحفاظ على الذاكرة المغربية، وإعادة اكتشاف قيمة الإنسان الذي يحمي التراث وينقل الجمال من جيل إلى آخر.




الاثنين 11 ماي 2026
في نفس الركن