فن وفكر

مهرجان ثويزا يحتفي بإبراهيم نصر الله.. فلسطين في حضرة الأدب وسؤال الحب والكراهية


يواصل مهرجان ثويزا للثقافة الأمازيغية بطنجة ترسيخ مكانته كفضاء للحوار الثقافي والفكري، من خلال برمجة غنية تستحضر قضايا الإنسان والهوية والذاكرة، حيث يستضيف في دورته العشرين الأديب الفلسطيني الكبير إبراهيم نصر الله في لقاء أدبي يحمل عنواناً عميق الدلالة: "فلسطين، مفارقة الحب والكراهية".



ويأتي هذا اللقاء، الذي تحتضنه قاعة الندوات بفندق أمنية بويرطو، ضمن رؤية المهرجان التي اختارت لهذه الدورة شعار "دفاعاً عن الحب في مواجهة الكراهية"، وهو شعار ينسجم بشكل كبير مع التجربة الأدبية والإنسانية لنصر الله، الذي جعل من الكتابة جسراً للدفاع عن الإنسان والذاكرة والحق في الحياة.

ويعد إبراهيم نصر الله واحداً من أبرز الأصوات الأدبية الفلسطينية والعربية المعاصرة، إذ استطاع عبر مساره الطويل أن يحول الرواية والشعر إلى مساحة لحفظ الذاكرة الجماعية وتوثيق التحولات الكبرى التي عاشتها فلسطين وشعبها.

ولد نصر الله سنة 1954 لعائلة فلسطينية هُجّرت من أرضها في قرية البريج قرب القدس سنة 1948، وعاش تجربة اللجوء التي شكلت لاحقاً إحدى الركائز الأساسية في مشروعه الأدبي، حيث جعل من الكتابة وسيلة لاستعادة الإنسان والتاريخ من خلف ركام الأحداث.

ويحظى مشروعه الروائي بمكانة استثنائية، خاصة من خلال ملحمته الروائية الكبرى التي قدم عبرها سردية فلسطينية واسعة تمتد عبر أجيال ومحطات تاريخية مختلفة، من مرحلة الحكم العثماني مروراً بالانتداب البريطاني، وصولاً إلى النكبة والنكسة والتحولات السياسية والاجتماعية المتلاحقة.

وقد استطاع نصر الله أن يمنح الرواية الفلسطينية بعداً إنسانياً عميقاً، فلم يكتب التاريخ من زاوية الأحداث فقط، بل من خلال تفاصيل الإنسان العادي، وأحلامه، وآلامه، وتمسكه بالأرض والكرامة.

ولهذا وصفته الراحلة سلمى خضراء الجيوسي بأنه "هوميروس الرواية العربية"، في إشارة إلى قدرته على بناء ملحمة أدبية كبرى تحفظ الذاكرة الفلسطينية وتمنحها حضوراً عالمياً.

ولا تنفصل تجربة إبراهيم نصر الله عن سؤال الحب والكراهية الذي اختاره مهرجان ثويزا محوراً لهذه الدورة؛ فكتاباته تؤكد دائماً أن الدفاع عن الأرض والهوية لا ينطلق من منطق الكراهية، بل من التمسك بالحق والإنسان والقيم النبيلة.

ففي رواياته وشعره، لا تظهر فلسطين باعتبارها قضية سياسية فقط، بل باعتبارها حكاية إنسانية مفتوحة على أسئلة العدالة والحرية والانتماء، وهي حكاية تتجاوز الحدود لتلامس الضمير العالمي.

ويشكل حضور إبراهيم نصر الله في مهرجان ثويزا مناسبة للاحتفاء بالأدب باعتباره قوة ناعمة قادرة على حفظ الذاكرة ومواجهة النسيان، كما يؤكد الدور الذي تضطلع به الثقافة في بناء جسور التواصل بين الشعوب والحضارات.

إن لقاء طنجة مع هذا الصوت الأدبي الكبير ليس مجرد محطة ضمن برنامج ثقافي، بل هو احتفاء بالكلمة التي تقاوم، وبالرواية التي تمنح للتاريخ وجهاً إنسانياً، وبالأدب الذي يختار الحب طريقاً لمواجهة كل أشكال الكراهية.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الأربعاء 29 يوليو/جويلية 2026
في نفس الركن