فن وفكر

منتدى طنجة للحوار


الأبعاد المفاهيمية والرهانات الاستراتيجية



بقلم: الدكتور إدريس قريش

يشهد العالم تحولات متسارعة وغير مسبوقة ، أعادت صياغة العديد من المفاهيم التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فمع تراجع مركزية الأحادية القطبية، وتصاعد دور القوى الصاعدة ، وتنامي أهمية الفاعلين المدنيين ، برزت الحاجة إلى آليات جديدة لفهم التحولات العميقة والمتسارعة واستشراف تداعياتها بما ينتج الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة والاستباق .

وفي هذا السياق، لم تعد الدبلوماسية التقليدية وحدها كافية للإحاطة بتعقيدات النظام الدولي واكراهاته ، بل أصبح إنتاج المعرفة وتبادل الرؤى وصياغة التصورات الاستراتيجية من العناصر الأساسية في بناء النفوذ والتأثير . ومن هنا برزت أهمية المنتديات الفكرية والحوارية باعتبارها فضاءات جديدة للدبلوماسية الفكرية ، تساهم في تقريب وجهات النظر وتعزيز الحوار وتقديم قراءات متعددة الأبعاد للقضايا الدولية .

وفي هذا الإطار يأتي منتدى طنجة للحوار كمبادرة فكرية تروم الإسهام في مواكبة التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، من خلال توفير فضاء للحوار والتفكير الجماعي الجاد ، يجمع بين الأكاديميين والباحثين والخبراء والدبلوماسيين السابقين والمهتمين بالشأن الدولي . ويسعى كذلك إلى ترسيخ ثقافة الحوار البناء وإنتاج أفكار ومقاربات قادرة على مواكبة رهانات المغرب الاستراتيجية بما يعزز مكانته كفاعل اقليمي ودولي في عالم يتجه نحو إعادة تشكيل موازين القوى وصياغة خرائط النفوذ .

ويستند المنتدى إلى قناعة مفادها ان فهم العالم المتغير يقتضي الانفتاح على مختلف المقاربات والرؤى وإرساء ثقافة الحوار باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للتقارب والتعاون والتفاهم بين الشعوب والأمم. 

ويكتسب المنتدى بعدا خاصا من خلال ارتباطه بمدينة طنجة، التي لم تكن مجرد مدينة ذات موقع جغرافي متميز ، بل شكلت عبر التاريخ فضاء للتفاعل الحضاري والتجاري والدبلوماسي بين مختلف الثقافات والقارات . احتضنت عبر مسارها الدبلوماسي مقر السفارة الأمريكية الوحيدة خارج امريكا والتي اعتمدتها الولايات المتحدة منذ 1823 مقرا دبلوماسيا للتواصل مع باقي العالم . فبفضل موقعها الاستراتيجي عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وبين أوروبا وإفريقيا، اضطلعت طنجة بأدوار متعددة جعلت منها إحدى المدن ذات البعد الدولي ، ومجالا للتعايش والانفتاح والتعددية .

كما ان المكانة التاريخية التي احتلتها طنجة خلال القرن العشرين، في ظل نظامها الدولي، وحضور العديد من القوى والبعثات الدبلوماسية الأجنبية بها ، كرست صورتها كمدينة ذات امتداد عالمي ، وكانت مرشحة لاحتضان مقر الامم المتحدة حيث ان جوزيف ستالين ، الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي،  اقترحها في مؤتمر يالطا ، فبراير 1945 , كبديل عن نيويورك لتفادي تأثير الولايات المتحدة على قراراتها . كما ان الوزير الأول البريطاني وينستون تشرشل اقترح الدار البيضاء أو مراكش لاحتضان مقر هذه المنظمة الاممية . غير ان الرئيس الأميركي فرانكلين روزفيلت تمكن من فرض مدينة نيويورك مقرا دائما لمنظمة الأمم المتحدة مستفيدا من وضعية الإتحاد السوفياتي لعجزه من تسديد ديونه المترتبة عن قرض كان فلاديمير لينين ، قائد ثورة اكتوبر ، حصل عليه سنة 1921 من بنك روكفلر الأمريكي بقيمة 25 مليون دولار لمدة 20 سنة مقدما شبه جزيرة القرم كضمانة بهدف تطوير القطاع الفلاحي . وان زوجة روزفيلت اشترت بعض سندات هذا القرض قبل وصولها ليالطا . وان عدم تسديد هذا القرض أدى إلى طرح فكرة اعتبار القرم أرضا محجوزة يمكن تخصيصها لإقامة دولة اسرائيل. 

المساومة الجيوسياسية السرية حول الموضوع طبعت اليوم الثاني في قمة يالطا .
جوزيف ستالين ، تجنبا لأي تهديد من هذا النوع ، أبدى مرونة كبيرة تجاه مطالب الرئيس روزفلت ، فوافق على اختيار نيويورك مقرا للأمم المتحدة، متخليا بذلك عن مدينة طنجة ، كما وافق على دخول الحرب ضد اليابان ، واكتفى بالحصول فقط على عضوية ثلاث جمهوريات سوفياتية في المنظمة ، بالاضافة لعضوية مجلس الامن ، بدلا من منح جميع الجمهوريات السوفياتية عضوية مستقلة 
وكان الإتحاد السوفياتي وراء القرار الاممي 181 لسنة 1947 القاضي بتقسيم فلسطين 53 % لإسرائيل، 46 % لفلسطين،1 % للقدس بنظامها الدولي .

وبعد وفاة ستالين سنة 1953 ، أتخذ خلفه في الأمانة العامة للحزب الشيوعي ،   نيكيتا خروتشوف  ، أوكراني الأصل ، اول قرار على مستوى المكتب السياسي للحزب سنة 1954 , يقضي بتحويل شبه جزيرة القرم  من السيادة الروسية لاوكرانيا تحت نظام الحكم الذاتي في إطار الإتحاد السوفياتي ، لإغلاق الملف نهائيا وتجنب النقاش عنه دوليا .

 وقد كان لهذا القرار أثر كبير في ضم القرم من طرف روسيا سنة 2014 ،  باعتباره حق استرجاع ، بعد تفاقم الأزمة مع اوكرانيا .
 كما ان طنجة شكلت مختبرا مبكرا للتعددية والانفتاح ، وهو ما يضفي على اختيارها لاحتضان هذا المنتدى دلالة رمزية وحضارية عميقة .

و ينسجم هذا التوجه مع المكانة التي أصبح يحتلها المغرب على الساحة الدولية ، في ظل ما راكمه من مصداقية وثقة ، واعتماده سياسة خارجية فاعلة ، تقوم على الحكمة والاعتدال والواقعية والالتزام بالقيم، والانفتاح على مختلف الشركاء، وتبني مقاربة متعددة الأبعاد في التعاطي مع القضايا الدولية. 

ومن ثم فإن احتضان مبادرات فكرية من هذا النوع يعكس وعيا متزايدا بأهمية القوة الناعمة والدبلوماسية الفكرية في تعزيز التموقع الدولي للمملكة .

كما أظهرت التحولات التي يعرفها العالم ان القوة لم تعد تقاس فقط بالمؤشرات العسكرية والعوامل الاقتصادية، وإنما أيضا بالقدرة على إنتاج الأفكار وصياغة الرؤى والتصورات ، وخلق فضاءات للحوار والتفاعل . ومن هذ المنطق ، تكتسي المنتديات الفكرية أهمية متزايدة باعتبارها أحد المكونات الحديثة للبلاغة والإقناع والتأثير في البيئة الدولية، ورافعة لتطوير الرؤى الاستراتيجية، وتعزيز ثقافة التفاهم والتعاون .

وفي هذا السياق، يمثل منتدى طنجة للحوار أكثر من مجرد إطار للنقاش، فهو مشروع فكري يروم الإسهام في بناء جسور التواصل بين مختلف الفاعلين ، وتعزيز الحوار بين الثقافات ، وترسيخ قيم الاعتدال والتعايش والانفتاح، والمساهمة في إنتاج معرفة استراتيجية قادرة على مواكبة التحولات العميقة والمتسرعة التي يعرفها العالم. 

ومن منظور استشرافي ، يمكن ان يشكل المنتدى ، مع تراكم التجارب وتوسيع دائرة إشعاعه ، منصة فكرية ذات بعد إقليمي ودولي ، تساهم في ترسيخ الرجاء  طنجة كفضاء للحوار والتفاعل الحضاري، وتعزز حضور المغرب وتموقعه في مجال الدبلوماسية الفكرية والقوة الناعمة في النظام الدولي ، بما ينسجم مع هذه التحولات ، ومع الحاجة المتزايدة إلى مقاربات جديدة تقوم على الحوار والانفتاح المتبادل. 

وبذلك فإن منتدى طنجة للحوار لا يمثل فقط استجابة لرهانات المرحلة ، بل يعبر أيضا عن إيمان راسخ بأن قوة الأفكار، في عالم متغير ، أصبحت أحد المرتكزات الأساسية لصناعة المستقبل ، وأن الحوار والتفكير الاستشرافي يشكلان رافعتين ضروريتين للمساهمة في بناء نظام دولي أكثر توازنا وتعاونا واستقرارا .

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الجمعة 26 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن