في سياق حراك فكري وتنظيمي متجدد، وتحت شعار دال وموجّه: "الإصلاح يبدأ بنا"، احتضنت دار المواطن بمدينة تيفلت، مساء الأحد 21 يونيو 2026، فعاليات "منتدى الحوار الشبابي" لإقليم الخميسات. اللقاء الذي نظمته منظمة الشبيبة الاستقلالية، في إطار محطات اللجنة التحضيرية الوطنية للمؤتمر العام الرابع عشر، شكّل منصة فكرية رفيعة للنقاش العمومي، واستقطب نخبة من الأطر والكفاءات الشابة لبسط الرؤى وتفكيك الرهانات الراهنة التي تحيط بالشباب المغربي وموقعهم في الدينامية الإصلاحية للمملكة.
المقاربة التشاركية.. فلسفة الإعداد للمؤتمر الـ14
افتُتحت أعمال المنتدى بمداخلة تأطيرية للدكتور خالد الجازولي، رئيس اللجنة التحضيرية الوطنية للمؤتمر العام الرابع عشر، والذي حرص في مستهلها على التذكير بالعمق الفلسفي والمنهجي لـ"منتديات الحوار الشبابي". وأوضح الجازولي أن هذه المنتديات لا تشكل مجرد محطات تنظيمية عابرة، بل هي "منهجية فكرية متكاملة" تؤسس لثقافة الإشراك عبر توسيع قاعدة المساهمة الشبابية في الإعداد الفكري للمؤتمر، وربط اللجنة التحضيرية الوطنية بالقضايا المحلية والجهوية الحقيقية للشباب، فضلاً عن استقطاب الكفاءات الواعدة بمختلف أقاليم المملكة.
وأكد المتحدث أن الشبيبة الاستقلالية تبرهن، من خلال هذه الدينامية الميدانية، عن وعي حاد وانخراط مسؤول في مسار الإصلاح الشامل الذي تقوده بلادنا، مشدداً على أن الوضعية الحالية للشباب المغربي تقتضي مضاعفة الجهود وتجويد السياسات العمومية، لا سيما في قطاعات حيوية كالتقليص من الفوارق المجالية، تعزيز التشغيل، تجويد التعليم، العناية بالصحة النفسية، وتمتين جسور الثقة في المؤسسات.
وفي مرافعة فكرية قوية، ساق رئيس اللجنة التحضيرية جملة من المرتكزات التي تجعل من الشباب منطلقاً وغاية لكل إصلاح حقيقي، واصفاً إياهم بأنهم "جزء من الحل وليسوا المشكل"، وأنهم فاعلون صناع في هندسة السياسات العمومية لا مجرد موضوعات مستهدفة بها، مستدلاً بقدرتهم العالية على المبادرة والابتكار، وهي المقومات الفكرية والطاقات الحية التي يحتاجها الوطن لارتياد آفاق المستقبل. واختتم الجازولي مداخلته باستثمار هذه المناسبة للتذكير بالالتزامات الاستراتيجية لحزب الاستقلال للسنوات الخمس المقبلة، والتي بسطها السيد الأمين العام خلال دورة المجلس الوطني الأخيرة، مؤكداً أنها تجسيد ملموس لعمق الانخراط الاستقلالي في مسلسل الإصلاح الوطني.
الإصلاح ممارسة يومية ومسؤولية جماعية
من جانبها، قدمت الأستاذة مريم تنكرفي، الباحثة في البيئة والتنمية المستدامة والممثلة لجهة سوس ماسة، مقاربة ربطت فيها بين الالتزام الحزبي والوعي التاريخي والميداني. وأكدت تنكرفي أن الثقة التي وضعتها في حزب الاستقلال تنبع من قناعة راسخة بمساره الإصلاحي الأصيل، مستحضرةً برمزية عالية مشاركتها الأولى في إحياء ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، وتقديم "ميثاق 11 يناير للشباب".
وشددت الباحثة في مداخلتها على أن الإصلاح يعد "مسؤولية جماعية مشتركة"، مشيرة إلى أن الحزب يمثل الإطار المؤسساتي الأنسب لتحويل الطموحات إلى برامج عمل واقعية وملموسة. وفي التفاتة موجهة لشباب مدينة تيفلت وإقليم الخميسات، حثت تنكرفي الحاضرين على الانخراط الفعلي واليومي في أوراش الإصلاح، موضحة أن هذا الأخير لا يمكن أن يظل شعاراً فضفاضاً، بل هو "ممارسة يومية تبدأ من وعي الفرد وتمتد لتشمل المجتمع".
كما دعت المتحدثة الأطر والشارع الشبابي إلى صياغة حلول عملية مبنية على دراسات معمقة تلامس الخصوصيات الثقافية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية لكل منطقة، حاثةً الكفاءات المغربية على ولوج معترك العمل السياسي كآلية ناجعة لترجمة الأفكار إلى واقع معيش يعود بالنفع على قضايا التعليم والصحة والاقتصاد.
الوعي بالذات وتوجيه الطاقات لخدمة الوطن
وفي قراءة سوسيولوجية ونفسية عميقة، قارب الأستاذ ياسين أمناي، الباحث في علم النفس الاجتماعي، معادلة الإصلاح من منظور الذات والمجتمع، مؤكداً أن "الإصلاح الحقيقي يبدأ من الفرد نفسه"، إذ إن أي تغيير مجتمعي منشود ينطلق بالضرورة من أفراد يمتلكون وعياً حاداً بإمكاناتهم الذاتية وبخصوصيات وتحديات وطنهم. وأشار أمناي إلى أن الأفراد الأكثر قدرة على قيادة قاطرة التغيير والتقدم هم أولئك الذين يؤمنون بمسؤوليتهم المباشرة عن خياراتهم ومصائرهم، ويرفضون وضع أنفسهم في خانة "ضحايا الظروف".
ودعا الباحث الاجتماعي إلى ضرورة العمل الجماعي والمنظم لتوجيه طاقات الشباب المتقدة نحو المبادرات الإيجابية والبناءة التي تساهم في تشييد مغرب قوي ومزدهر، والقطع مع سلوكيات التبخيس والعدمية والوقوع في شرك السلبية. كما ركز في معرض حديثه على أهمية تبني "منطق النقد الذاتي" القائم على مراجعة الأفكار المؤطرة للسلوكيات، والاعتراف بالخطأ وتصحيح المسارات كركيزة أساسية لبناء علاقة متوازنة وسليمة بين الفرد وذاته ومحيطه المجتمعي.
وفي ختام مداخلته، أكد أمناي أن الطموح الشخصي للشباب وتطلعهم المشروع للاستقرار المهني والمستقبلي لا يتعارض بأي شكل من الأشكال مع واحب خدمة المجتمع والوطن، مبرزاً بكثير من التفاؤل والطموح أن المغرب الذي يحتل اليوم المرتبة السادسة عالمياً في كرة القدم، يمتلك كل المقومات والقدرات الشبابية والسياسية للوصول إلى المراتب المتقدمة ذاتها في قطاعات حيوية كبرى وعلى رأسها قطاعا الصحة والتعليم.
تميز منتدى تيفلت بنقاشات مستفيضة وتفاعل غني من طرف الشباب الحاضرين، ليؤكد في محصلته أن الرهان على الشباب ليس مجرد شعار مرحلي، بل هو عقيدة عمل راسخة تتبناها الشبيبة الاستقلالية لبناء مغرب الكرامة، وتكافؤ الفرص، والعدالة المجالية.