مختصرات تكنو لايف

من الخوف إلى التكيف: سوق الشغل في عصر الذكاء الاصطناعي




أعلنت شركة التكنولوجيا المالية الهندية Paytm عن خطط لتوظيف حوالي 4000 شخص خلال الأشهر المقبلة، في إطار تعزيز فرق الذكاء الاصطناعي، وتطوير المنتجات، والهندسة التقنية، إلى جانب إعادة هيكلة داخلية شاملة.

هذا الإعلان يأتي في سياق نقاش عالمي متصاعد حول تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق الشغل، حيث يُنظر إليه غالبًا كقوة مُهدِّدة للوظائف التقليدية، بسبب قدرته على أتمتة العديد من المهام الروتينية وتقليص الحاجة إلى بعض الأدوار البشرية داخل الشركات.

لكن حالة “بايتم” تقدم صورة أكثر تعقيدًا وأقل حدة من هذا التصور الشائع. فصحيح أن الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى اختفاء بعض الوظائف، إلا أنه في المقابل يخلق طلبًا متزايدًا على مهارات جديدة، مثل مهندسي الذكاء الاصطناعي، ومصممي المنتجات الرقمية، ومحللي البيانات، وخبراء الامتثال، إضافة إلى وظائف دعم العملاء ذات الطابع التقني المتقدم.

هذا التحول لا يعني إذن نهاية العمل، بل إعادة تشكيله. فالسوق لا يتقلص بالضرورة، لكنه يعيد توزيع الفرص بطريقة مختلفة، تجعل بعض المهارات أقل طلبًا، في حين تصبح مهارات أخرى في قلب الطلب المتزايد.

وفي السياق المغربي، يكتسب هذا المثال دلالة خاصة. فالنقاش حول الذكاء الاصطناعي في سوق الشغل ما يزال محكومًا في كثير من الأحيان بنبرة القلق أو الانبهار، دون التوقف الكافي عند سؤال التكيف الفعلي مع هذا التحول. تجربة شركات مثل “بايتم” تُظهر أن التحول التكنولوجي لا يؤدي تلقائيًا إلى البطالة، بل إلى إعادة هيكلة عميقة في طبيعة الوظائف المطلوبة.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في القدرة على التأقلم معها. فالفجوة لن تكون بين من يملكون عملًا ومن لا يملكونه فقط، بل بين من يمتلكون مهارات قابلة للتحول والتجديد، ومن يظلون مرتبطين بوظائف تتراجع أهميتها تدريجيًا.

ومن هنا تبرز أهمية مسألة التكوين وإعادة التأهيل المهني. فالمطلوب اليوم ليس فقط توفير فرص عمل، بل بناء منظومة تعليم وتكوين قادرة على الاستجابة السريعة لتحولات السوق، من خلال برامج مرنة، وتخصصات هجينة تجمع بين التقنية، والتحليل، والتواصل.

في النهاية، لا يبدو أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على سوق الشغل، لكنه سيعيد رسمه من جديد. والدول التي ستنجح في هذا السياق ليست تلك التي تراقب التحول فقط، بل تلك التي تستبقُه عبر الاستثمار في الإنسان قبل الآلة، وفي المهارة قبل الوظيفة.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الأربعاء 10 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن