صحتنا

ما الذي يحدث في الدماغ أثناء التنويم المغناطيسي؟ علوم الأعصاب تكشف أسرار حالة الوعي المتغيرة


لطالما ارتبط التنويم المغناطيسي في أذهان كثيرين بصور نمطية عن فقدان السيطرة أو الخضوع لإرادة شخص آخر، غير أن التطورات الحديثة في علوم الأعصاب أعادت النظر في هذه التصورات، بعدما أظهرت تقنيات تصوير الدماغ أن الحالة التنويمية ترتبط بتغيرات حقيقية في نشاط الدماغ وطريقة تواصل مناطقه المختلفة.



فالتنويم المغناطيسي لم يعد مجرد تجربة ذاتية أو إحساس داخلي، بل أصبح موضوعاً للدراسة العلمية، حيث يستخدم الباحثون تقنيات مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (IRM) وتخطيط كهربائية الدماغ (EEG) لمراقبة ما يحدث داخل الدماغ خلال هذه الحالة الخاصة من التركيز والاسترخاء.

حالة دماغية يمكن قياسها علمياً

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الدخول في حالة التنويم المغناطيسي يصاحبه عدد من التغيرات العصبية، من بينها تغير نشاط مناطق مرتبطة بالانتباه والتركيز، وانخفاض نشاط بعض المناطق المسؤولة عن التحليل النقدي والرقابة العقلية، إضافة إلى تغيرات في الدوائر الدماغية المرتبطة بالإحساس بالألم ومعالجة المشاعر.

وقد بينت دراسات أجراها باحثون في مؤسسات علمية، من بينها جامعة ستانفورد، أن الدماغ أثناء التنويم لا يتوقف عن العمل، بل يعيد تنظيم طريقة تواصل مناطقه، حيث تظهر تغيرات في الاتصال بين أجزاء مختلفة منه.

كما كشفت قياسات الموجات الدماغية عن زيادة في نشاط موجات "ألفا" و"ثيتا"، وهي موجات ترتبط عادة بحالات الاسترخاء العميق، والتخيل، والاندماج الذهني.

التنويم المغناطيسي ليس فقداناً للوعي

على عكس الاعتقاد الشائع، لا يعني التنويم المغناطيسي فقدان الوعي أو النوم، بل هو حالة وعي مختلفة يكون فيها الشخص حاضراً ومدركاً لما يحدث حوله، لكنه يصبح أكثر تركيزاً على عالمه الداخلي.

ويرى المختصون أن هذه الحالة تشبه تجارب نعيشها بشكل طبيعي في حياتنا اليومية، مثل الاندماج الكامل في مشاهدة فيلم، أو القيادة لمسافة طويلة دون الانتباه لكل التفاصيل، أو القيام بمهام روتينية بشكل تلقائي.

في هذه اللحظات، ينتقل الدماغ من حالة النشاط الذهني المكثف المرتبطة بالتفكير والتحليل المستمر إلى حالة أكثر هدوءاً وتركيزاً داخلياً.

كيف تتغير موجات الدماغ؟

في حالة اليقظة العادية، يكون الدماغ غالباً في نشاط مرتبط بموجات "بيتا"، وهي مرتبطة بالتفكير، التحليل، واتخاذ القرارات.

أما أثناء التنويم المغناطيسي، فيحدث انتقال تدريجي نحو موجات "ألفا" ثم "ثيتا". وتتميز موجات ألفا بحالة من الاسترخاء مع بقاء الوعي حاضراً، وهي الحالة التي قد يشعر بها الإنسان عندما يكون مسترخياً أو غارقاً في التأمل.

أما موجات ثيتا فترتبط أكثر بالخيال، والذكريات، والتعلم العاطفي، وهي الحالة التي تسمح للشخص بالتركيز على تجاربه ومشاعره الداخلية بشكل أعمق.

تأثير التنويم على الألم والمشاعر

من المجالات التي أثارت اهتمام الباحثين علاقة التنويم المغناطيسي بإدارة الألم. فقد أظهرت الدراسات أن الحالة التنويمية يمكن أن تغير طريقة معالجة الدماغ للإشارات المرتبطة بالألم، مما يساعد بعض الأشخاص على تخفيف الإحساس به أو تغيير علاقتهم معه.

كما يُدرس دوره في التعامل مع بعض الاضطرابات المرتبطة بالتوتر والقلق، حيث يمكن أن يساعد على تعديل الاستجابات العاطفية وتعزيز القدرة على الاسترخاء.

بين العلم والبحث المستمر

رغم التقدم الكبير في فهم آليات التنويم المغناطيسي، لا تزال الأبحاث مستمرة لكشف المزيد من أسراره، خاصة فيما يتعلق بكيفية تأثيره على الذاكرة، والانفعالات، والسلوك.

لكن المؤكد اليوم أن التنويم المغناطيسي ليس حالة غامضة أو خارقة، بل ظاهرة عصبية يمكن ملاحظتها ودراستها، تعكس قدرة الدماغ البشري على تغيير أنماط الانتباه والإدراك والتفاعل مع التجارب الداخلية.

وبينما كانت هذه التقنية لعقود محاطة بالكثير من الخرافات، أصبحت اليوم مجالاً يلتقي فيه علم النفس وعلوم الأعصاب لفهم واحدة من أكثر قدرات الدماغ البشري إثارة وتعقيداً.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 16 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن