آخر الأخبار

ليلى شهيد… حين تصبح الثقافة دبلوماسية والمقاومة خطاباً أخلاقياً


برحيل ليلى شهيد، تفقد فلسطين واحداً من أكثر وجوهها قدرة على تحويل السياسة إلى فعل ثقافي، والدبلوماسية إلى خطاب أخلاقي يخاطب ضمير العالم قبل حساباته. لم تكن مجرد سفيرة تمثل قضية، بل كانت عقلًا يصوغها بلغة يفهمها الآخر، ويمنحها بعداً إنسانياً يتجاوز حدود الجغرافيا.



وُلدت ليلى شهيد في القدس سنة 1949، في بيئة فلسطينية مثقفة رأت في الثقافة جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية. نشأت في مدينة تتقاطع فيها الديانات واللغات والتواريخ، فحملت منذ طفولتها وعياً مبكراً بأن الصراع ليس فقط على الأرض، بل على الرواية أيضاً. كان والدها أستاذاً جامعياً، وكان للبيت حضور معرفي واضح، ما جعلها تميل إلى الفكر قبل أن تميل إلى السياسة.

اختارت في بداياتها طريق المعرفة، فدرست علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، واشتغلت في المجال الأكاديمي والبحثي. هذا التكوين لم يكن مرحلة عابرة، بل شكّل لاحقاً جوهر شخصيتها الدبلوماسية. كانت تتحدث بلغة المفاهيم لا الشعارات، بلغة التحليل لا الانفعال. لم تكن تقدم القضية الفلسطينية كملف عاطفي، بل كقضية قانون وعدالة وكرامة.

انخرطت في العمل السياسي عبر منظمة التحرير الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي، لكنها اختارت مساراً مختلفاً عن السائد: مسار الدبلوماسية الثقافية. مثّلت فلسطين سفيرة في عدة عواصم أوروبية، من بينها إيرلندا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ، إضافة إلى تمثيلها لدى الاتحاد الأوروبي.

في بروكسل تحديداً، برز اسمها بقوة. لم تكن مجرد ممثلة لكيان سياسي محدود السيادة، بل أصبحت شخصية معروفة في الإعلام والجامعات ومراكز التفكير الأوروبية. كانت تدخل البرلمان الأوروبي كما يدخل أستاذ إلى قاعة محاضرات، لا كخطيب مظاهرة. حضورها كان هادئاً، لكنه نافذ. حازمًا، دون صخب.

تميز خطابها بثلاث ركائز أساسية: أن الاحتلال مسألة قانون دولي قبل أن يكون ملفاً سياسياً، وأن الفلسطيني ليس مجرد لاجئ بل حامل حضارة وهوية، وأن السلام الحقيقي لا يقوم على ميزان القوة بل على ميزان الكرامة. بهذا المنطق، ساهمت في نقل النقاش الأوروبي حول فلسطين من زاوية أمنية ضيقة إلى أفق حقوقي وإنساني أوسع.

غير أن أهم ما ميّز مسيرتها هو إيمانها العميق بأن الثقافة ليست نشاطاً موازياً للنضال، بل قلبه النابض. دعمت حضور الأدب والفن الفلسطيني في أوروبا، من خلال المعارض التشكيلية، وعروض السينما، وترجمة الروايات، ومشاركة المثقفين الفلسطينيين في المهرجانات. كانت ترى أن الجندي يدافع عن الأرض يوماً، أما الكاتب فيدافع عنها قرناً.

كامرأة في فضاء سياسي يغلب عليه الطابع الذكوري، لم تكن مسيرتها سهلة. اشتغلت في عالم السياسة الدولية الصارم، وفي سياق فلسطيني داخلي معقد. لكنها فرضت حضورها بذكاء ناعم، لا بصدام مباشر. لم تكن صوتاً عالياً، بل صوتاً واضحاً. لم تعتمد على الحماسة بقدر ما اعتمدت على الحجة. لذلك اكتسبت احترام خصومها قبل أصدقائها.

ما الذي تركته خلفها؟ تركت فكرة عميقة مفادها أن فلسطين ليست فقط أرضاً محتلة، بل معنى إنساني عالمي. نقلت القضية من صورة الخبر العاجل إلى فضاء الفكر، وجعلت من الفلسطيني إنساناً له اسم وذاكرة وتاريخ، لا مجرد رقم في نشرات الأخبار.

في زمن المواقف المتشنجة والخطابات السريعة، تبدو تجربتها أكثر راهنية من أي وقت مضى. لقد قدمت نموذجاً لدبلوماسية تعتمد الثقافة، وتفاوض بالعقل، وتخاطب الضمير. لم تكن زعيمة جماهيرية، لكنها كانت صانعة وعي. لم تكن خطيبة ساحات، لكنها كانت مدرسة في كيفية تحويل العدالة إلى خطاب كوني.

برحيل ليلى شهيد، تفقد فلسطين إحدى أكثر شخصياتها قدرة على الحوار مع العالم. لكن فكرتها تبقى: أن القضايا العادلة لا تنتصر فقط بالقوة، بل بالفهم؛ وأن الثقافة يمكن أن تكون شكلاً راقياً وعميقاً من أشكال المقاومة.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الجمعة 20 فبراير 2026
في نفس الركن