آخر الأخبار

لم يعد 14 يناير مجرد تاريخ رمزي، بل لحظة جامعة للذاكرة والمعنى




في  14 ينايرمن كل عام، تحلّ لحظة خاصة في الذاكرة الجماعية لشمال إفريقيا. هذا اليوم لا يُحيل إلى شهر يناير الميلادي، بل إلى رأس السنة الأمازيغية، المعروف باسم يناير، وهو موعد رمزي يختزل علاقة عميقة بين الإنسان والأرض، وبين التاريخ والزمن الطويل.

قبل التقاويم الحديثة، كان هذا اليوم يؤطّر الحياة اليومية. به تُقرأ الفصول، وتُبنى التوقعات الفلاحية، ويُستشرف مسار عام جديد. تعود جذور هذا التقويم إلى ما يقارب ثلاثة آلاف سنة، وترتبط بدايته رمزياً باعتلاء الملك الأمازيغي شيشنق الأول عرش مصر القديمة، في محطة تاريخية تؤكد عمق الحضور الأمازيغي في الفضاء المتوسطي.

يناير، باعتباره اليوم الأول من السنة الأمازيغية، ليس طقساً دينياً ولا مناسبة احتفالية عابرة. إنه موعد طبيعي مرتبط بدورة الأرض، يعلن انطلاق سنة فلاحية جديدة بعد تجاوز قسوة الشتاء. في القرى والمجالات الزراعية بشمال إفريقيا، ظلّ 14 يناير علامة للتفاؤل، ومناسبة لطلب موسم أكثر خصوبة واستقراراً.

ومع مرور الزمن، تحوّل هذا اليوم إلى عيد أسري وجماعي. تُقام موائد مشتركة، وتُحضَّر أطباق تقليدية أساسها الحبوب ومنتجات الأرض. هذه الطقوس ليست مجرد عادات متوارثة، بل تعبير عن فلسفة اجتماعية تقوم على الوفرة، والتكافل، وتقوية الروابط بين الأجيال.

بعد سنوات طويلة من الاحتفاء في الدائرة الخاصة، خرج 14 يناير إلى الفضاء العام. في المغرب، جرى ترسيم رأس السنة الأمازيغية كعيد وطني وعطلة رسمية، في اعتراف صريح بالأمازيغية كمكوّن أساسي من مكونات الهوية الوطنية، إلى جانب باقي روافدها التاريخية والثقافية.

هذا الاعتراف لا يحمل بعداً رمزياً فقط، بل يعكس تحوّلاً في الوعي الجماعي. اليوم، يُحتفى بيناير داخل المؤسسات التعليمية والجامعات والجماعات الترابية، باعتباره تراثاً مشتركاً لجميع المغاربة، بعيداً عن أي تصنيف لغوي أو جهوي.

في السنوات الأخيرة، أصبح 14 يناير عنواناً لنهضة ثقافية متجددة. مهرجانات، عروض فنية، لقاءات فكرية، وإنتاجات إبداعية تقودها أجيال شابة تسعى إلى المصالحة بين الحداثة والجذور، وبين الحاضر وذاكرة ضاربة في القدم.

وعلى مستوى الفضاء الرقمي، تحوّل يناير إلى مساحة تعبير هوياتي مفتوحة. اللغة الأمازيغية ورموزها باتت أكثر حضوراً، سواء داخل المغرب أو في صفوف الجالية بالخارج، ما يساهم في تعزيز المعرفة بهذه الحضارة العريقة.

خارج شمال إفريقيا، يحتفظ 14 يناير بدوره كجسر ثقافي داخل الجاليات المغاربية في أوروبا وأمريكا الشمالية. هناك، يصبح هذا اليوم وسيلة للحفاظ على الذاكرة، وربط الأجيال الجديدة بأصولها الثقافية.

بهذا المعنى، يتجاوز يناير الجغرافيا والتقويم. إنه تعبير عن هوية حيّة، قابلة للتجدد والتعايش، وحاملة لقيم إنسانية مشتركة.

الاحتفال بـ14 يناير، رأس السنة الأمازيغية، هو احتفاء بالاستمرارية دون انغلاق، وبالجذور دون رفض للمستقبل. وفي عالم سريع التحوّل، يذكّرنا هذا الموعد بأهمية الأرض، والتنوّع، والزمن الطويل.

لم يعد 14 يناير مجرد تاريخ رمزي، بل لحظة جامعة للذاكرة والمعنى.
سنة أمازيغية جديدة تبدأ، محمّلة بالأمل، والخصوبة، والتوازن.




الأربعاء 14 يناير 2026
في نفس الركن