أسرتنا

كيف نساعد مراهقًا تراوده أفكار سوداء؟


أفكار اليأس أو ما يُعرف شائعًا بـ«الأفكار السوداء» أكثر حضورًا لدى المراهقين مما نتصور، وهي لا تعني بالضرورة رغبة مباشرة في الموت. في كثير من الحالات، تعبّر هذه الأفكار عن ألم نفسي عميق وشعور بالاختناق والرغبة في أن يتوقف هذا الألم بأي شكل. هنا، يصبح دور المحيطين بالمراهق حاسمًا، ليس في إصدار الأحكام، بل في الفهم والدعم.



فهم المعاناة قبل الخوف منها

أولًا: الفهم بدل الذعر

عندما يصرّح مراهق بأفكار قاتمة، يكون ردّ الفعل الطبيعي هو الخوف أو الإنكار. غير أن الخبراء يؤكدون أن الاستخفاف بهذه الأفكار أو المبالغة في الهلع كلاهما مضر. ما يحتاجه المراهق هو أن يشعر بأن معاناته مأخوذة على محمل الجد، وأن هناك من يستطيع سماعه دون خوف أو توبيخ.

ثانيًا: الإصغاء هو الخطوة الأولى

الاستماع الفعلي لا يعني البحث عن حلول سريعة، بل ترك مساحة آمنة للكلام. عبارات مثل:

"أنا هنا لأفهمك"

"يبدو أنك تمر بوقت صعب فعلًا"

تفتح باب الثقة، بينما عبارات مثل "كلنا مررنا بهذا" أو "ستتجاوز الأمر" قد تزيد شعوره بالعزلة.

ثالثًا: لا تربطوا الألم بالضعف

المراهق الذي يعاني نفسيًا لا يفتقر إلى الإيمان، ولا إلى القوة، ولا إلى الامتنان. ربط المعاناة النفسية بالضعف الأخلاقي أو التقصير الشخصي يزيد الإحساس بالذنب ويعمّق الأزمة. يجب التعامل مع الألم النفسي كما نتعامل مع أي ألم جسدي: باعتباره حالة تحتاج إلى رعاية.

رابعًا: انتبهوا إلى الإشارات الصامتة

ليست كل المعاناة معلنة. من العلامات التي تستوجب الانتباه:

انسحاب اجتماعي مفاجئ

تغيّر حاد في النوم أو الشهية

فقدان الاهتمام بما كان يسعده

عبارات متكررة عن الفراغ أو انعدام القيمة

هذه الإشارات لا تعني دائمًا خطرًا وشيكًا، لكنها تستحق الإصغاء والمتابعة.

خامسًا: طلب المساعدة المتخصصة ليس فشلًا

عندما تستمر الأفكار السوداء أو تتكرر، يصبح اللجوء إلى مختص نفسي خطوة ضرورية وشجاعة. العلاج النفسي لا يعني أن المراهق “مكسور”، بل أنه إنسان يمر بمرحلة تتطلب دعمًا مهنيًا. دور الأهل هنا هو التطبيع مع الفكرة، لا تقديمها كعقوبة أو تهديد.

سادسًا: أعيدوا بناء الأمل… ببطء

الأمل لا يعود بالمواعظ، بل عبر:

الإحساس بالأمان

وجود شخص ثابت لا ينسحب

استعادة الشعور بالمعنى والانتماء

احترام إيقاع المراهق وعدم استعجاله “ليتحسن”

وفي الحالات الطارئة

إذا عبّر المراهق عن رغبة صريحة في إيذاء نفسه، أو بدت المخاطر وشيكة، يجب التدخل الفوري عبر التواصل مع مختصين أو خدمات الطوارئ المحلية. الحماية هنا أولوية مطلقة.

مساعدة مراهق تراوده أفكار سوداء لا تعني إنقاذه بكلمات كبيرة، بل مرافقته في نفقه المظلم دون أن نتركه وحيدًا. حين يشعر بأن ألمه مفهوم، وأن وجوده مهم، تبدأ الأفكار القاتمة بفقدان قوتها تدريجيًا.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاثنين 26 يناير 2026
في نفس الركن