فن وفكر

كتاب جديد يكشف خفايا تدبير الحدود بالمغرب خلال فترة الحماية


صدر حديثاً للباحث المغربي محمد عبد المومن كتاب جديد يحمل عنوان «تدبير الحدود المناطقية بالمغرب خلال عهد الحماية»، وهو عمل أكاديمي يسلط الضوء على إحدى القضايا التاريخية التي كان لها تأثير عميق في تشكيل المجال الترابي للمغرب خلال فترة الاستعمار.ويأتي هذا الإصدار ضمن منشورات جمعية الباحث للدراسات والتنمية المجالية، في إطار أنشطة فريق البحث حول دينامية المجال والمجتمع بشمال المغرب، الذي يهتم بدراسة التحولات المجالية والاجتماعية التي عرفتها البلاد خلال فترات تاريخية مختلفة.



الحدود المناطقية كأداة للهيمنة الاستعمارية
يركز الكتاب على دراسة قضية الحدود المناطقية التي ظهرت خلال فترة الحماية، باعتبارها إحدى أبرز الأدوات التي اعتمدتها القوى الاستعمارية لإعادة تنظيم المجال الترابي للمغرب وفق منطق يخدم مصالحها السياسية والاقتصادية.ويبرز المؤلف أن المشروع الاستعماري لم يقتصر على فرض السيطرة العسكرية أو السياسية، بل امتد ليشمل إعادة تشكيل المجال الوطني بطريقة تعيد رسم العلاقات بين السكان والأرض، بما يسمح بتعزيز النفوذ الاستعماري وإحكام السيطرة على مختلف المناطق.

 تقسيم المجال المغربي بين النفوذ الفرنسي والإسباني
يتناول الكتاب كذلك مسألة تقسيم المغرب إلى مناطق نفوذ خلال فترة الحماية، حيث تم توزيع المجال الترابي بين سلطتين استعماريتين رئيسيتين هما فرنسا وإسبانيا.ويرى الباحث محمد عبد المومن أن هذا التقسيم لم يكن مجرد إجراء إداري أو تدبير مؤقت، بل كان يعكس تصوراً استعمارياً عميقاً يهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية للمغرب وفق منطق الهيمنة وتوازن المصالح بين القوى الاستعمارية.

 حدود مصطنعة تقطع التواصل المجالي والاجتماعي
يشير المؤلف إلى أن فرض هذه الحدود أدى إلى إضعاف التواصل المجالي والاجتماعي بين المغاربة، حيث أصبحت المناطق التي كانت ترتبط تاريخياً بعلاقات اقتصادية واجتماعية وثقافية متداخلة مفصولة بخطوط حدودية مصطنعة.وقد انعكس ذلك على حركة السكان والتجارة المحلية، كما أثر على العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع المغربي، إذ تحولت بعض المناطق إلى فضاءات منفصلة رغم ارتباطها التاريخي والجغرافي.

 تحولات في العلاقة بين السلطة والسكان
من بين الجوانب التي يتناولها الكتاب أيضاً تأثير تدبير الحدود على طبيعة العلاقة بين السلطة الاستعمارية والسكان المحليين.فبحسب الدراسة، أدى هذا التقسيم إلى ظهور أنماط جديدة من الإدارة الترابية، حيث اعتمدت السلطات الاستعمارية أساليب مختلفة لضبط المجال وإدارة السكان، وهو ما ساهم في تغيير التوازنات التقليدية التي كانت قائمة داخل المجتمع المغربي قبل فترة الحماية.

 مرحلة تاريخية حافلة بالتحولات (1927 – 1956)
يركز الكتاب على الفترة الممتدة بين 1927 و1956، وهي مرحلة مفصلية في تاريخ المغرب عرفت تحولات سياسية واجتماعية مهمة.فخلال هذه السنوات، شهدت البلاد تطورات كبيرة مرتبطة بتعزيز الإدارة الاستعمارية من جهة، وتصاعد الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال من جهة أخرى، وهو ما جعل مسألة الحدود والتقسيمات الترابية مرتبطة بشكل وثيق بالسياق السياسي العام.

 قراءة جديدة في تاريخ الحدود بالمغرب
رغم أن فترة الحماية كانت موضوع العديد من الدراسات التاريخية، فإن هذا الكتاب يسعى إلى تقديم قراءة جديدة لقضية الحدود المناطقية من زاوية مجالية وتاريخية في آن واحد.ويعتمد الباحث في عمله على تحليل المعطيات التاريخية والوثائق المتوفرة، إلى جانب مقاربة علمية تسعى إلى فهم الخلفيات السياسية والاستراتيجية التي رافقت رسم هذه الحدود.

 قيمة علمية مضافة للبحث الأكاديمي
تكمن أهمية هذا العمل في كونه يساهم في إغناء النقاش الأكاديمي حول تاريخ تدبير المجال الترابي بالمغرب، كما يفتح آفاقاً جديدة أمام الباحثين المهتمين بدراسة آثار الاستعمار على البنية المجالية والاجتماعية للبلاد.ومن خلال تسليطه الضوء على موضوع الحدود المناطقية، يقدم الكتاب إضافة نوعية للمكتبة التاريخية المغربية، ويساعد على فهم أعمق للتحولات التي عرفها المغرب خلال مرحلة الحماية.

 فهم الماضي لاستيعاب الحاضر
في النهاية، يبرز هذا الإصدار الجديد أهمية العودة إلى دراسة التاريخ المجالي للمغرب لفهم الكثير من التحولات التي عرفتها البلاد على مستوى التنظيم الترابي والعلاقات الاجتماعية.فالبحث في كيفية تدبير الحدود خلال الفترة الاستعمارية لا يقتصر على استعادة الماضي فحسب، بل يساهم أيضاً في إعادة قراءة مسار تشكل الدولة والمجال الوطني المغربي في سياق تاريخي معقد امتدت آثاره إلى الحاضر.
 




الاثنين 16 مارس 2026
في نفس الركن