فن وفكر

كانيي ويست يستحضر فيروز في ألبوم “Bully”.. عندما يلتقي التراث العربي بإيقاعات الهيب هوب العالمية


في مفاجأة فنية لافتة، عاد اسم السيدة فيروز ليتردد بقوة في الساحة الموسيقية العالمية، وهذه المرة من بوابة الهيب هوب الأمريكي، بعد أن اختار النجم كانيي ويست توظيف أحد أشهر أعمالها ضمن ألبومه الجديد “Bully”، في خطوة تعكس استمرار تأثير الموسيقى العربية الكلاسيكية على الإنتاجات المعاصرة.



من بيروت إلى استوديوهات الهيب هوب
الأغنية التي أثارت هذا الاهتمام هي “All the Love”، حيث اعتمد كانيي ويست على “سامبل” مقتطع من أغنية “فايق عليّا”، أحد أبرز أعمال فيروز التي تعود إلى سنة 1963، والتي لحنها الأخوان الأخوين رحباني، وشكلت جزءا من الذاكرة الفنية العربية. وقد جرى إعادة توظيف صوت فيروز داخل العمل بأسلوب حديث، حيث تم تعديله رقميا وتمطيطه ليتماشى مع إيقاعات أقرب إلى الغوسبل والهيب هوب، في انسجام مع الأسلوب الموسيقي الذي يميز أعمال كانيي ويست، المعروف بجرأته في استخدام تقنية “السامبلينغ” كأداة إبداعية لإعادة بناء الأصوات والذاكرة الموسيقية.

بين الإبداع والجدل
هذا التلاقي بين صوت فيروز وتركيبة موسيقية غربية لم يمر مرور الكرام، إذ أعاد النقاش حول حدود استخدام التراث الفني في الإنتاجات الحديثة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأسماء لها رمزية كبيرة في الوجدان العربي. ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أن هذه الخطوة تمثل نوعا من الاعتراف العالمي بقيمة التراث الموسيقي العربي، يذهب آخرون إلى اعتبارها توظيفا حساسا قد يثير تساؤلات أخلاقية وفنية، خصوصا في ظل غياب تأكيد رسمي حول موافقة الفنانة أو الجهات المالكة لحقوق الأغنية.ورغم ذلك، فإن إدراج “السامبل” ضمن الاعتمادات الرسمية للألبوم يمنح العمل نوعا من الشرعية القانونية، حتى وإن ظل النقاش مفتوحا حول البعد الثقافي لهذا التوظيف.

ظاهرة متكررة في الموسيقى العالمية
ليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها استلهام أعمال فيروز في الإنتاجات الغربية، فقد سبق للفنان دريك أن استخدم مقطعا من أغنية “Wahdon” في ألبومه “Iceman”، وهو ما أثار جدلا واسعا سنة 2025، بين من اعتبره تكريما ومن رآه استغلالا. كما عرفت الساحة الموسيقية حادثة مشابهة مع مادونا، التي وظفت مقطعا من ترنيمة “El Yaoum Ouloulak” في ألبومها “Erotica”، وهو ما أدى حينها إلى أزمة قانونية ونقاش حاد حول حدود استخدام الموسيقى ذات الطابع الديني والثقافي.

فيروز.. صوت يتجاوز الزمن والحدود
ما يكشفه هذا التفاعل المتجدد مع أعمال فيروز هو أن صوتها لم يعد محصورا في جغرافيا معينة، بل تحول إلى مرجع فني عالمي يلهم أجيالا مختلفة من الموسيقيين، على اختلاف أنماطهم وخلفياتهم الثقافية. فقد استطاعت “جارة القمر” أن تؤسس مدرسة فنية قائمة بذاتها، تجمع بين الأصالة والتجديد، وهو ما يجعل أعمالها قابلة لإعادة القراءة والتوظيف في سياقات موسيقية متعددة، من الطرب الكلاسيكي إلى الهيب هوب الحديث.

بين الذاكرة والتجديد
تجربة كانيي ويست مع فيروز تطرح مرة أخرى سؤال العلاقة بين التراث والحداثة: كيف يمكن الحفاظ على روح الأعمال الأصلية، وفي الوقت نفسه فتحها على تجارب جديدة؟

الجواب، كما يبدو من هذه التجارب، يكمن في التوازن بين الاحترام والإبداع، بين الحفاظ على الهوية الأصلية للعمل، ومنحه حياة جديدة داخل أنماط موسيقية مختلفة.

حضور عربي في قلب العولمة الفنية
في النهاية، سواء أثارت هذه الخطوة الإعجاب أو الجدل، فإنها تؤكد حقيقة واحدة: الموسيقى العربية، بكل عمقها وتنوعها، أصبحت جزءا من المشهد الفني العالمي، قادرة على عبور الحدود وإلهام أكبر الأسماء في الصناعة الموسيقية. وبين بيروت وواشنطن، وبين الماضي والحاضر، يظل صوت فيروز شاهدا على قدرة الفن على تجاوز الزمن، وعلى أن الإبداع الحقيقي لا يعرف حدودا، بل يجد دائما طريقه إلى آذان جديدة وقلوب مختلفة.




الاثنين 30 مارس 2026
في نفس الركن