آخر الأخبار

قرار تنظيم نقل الموتى.. جدل مشروع حول التنظيم واحترام الخصوصيات


أثار القرار الوزاري المشترك الصادر عن وزارة الداخلية و**وزارة الصحة والحماية الاجتماعية** المتعلق بمعايير الصحة والسلامة في عمليات نقل الجثث ودفنها، نقاشاً واسعاً في المجتمع المغربي، خصوصاً بعد اشتراطه أن تقتصر كتابة سيارات نقل الموتى على عبارة “نقل الأموات” دون شعارات أو نصوص دينية. ويأتي هذا المقتضى في إطار تنظيم المجال وضبط المواصفات التقنية والصحية لهذه المركبات، بما يضمن كرامة المتوفى وسلامة عمليات النقل.



يرى باحثون في الشأن الديني والقانوني أن هذا التوجه لا ينبغي قراءته كإقصاء للرموز الدينية، بل كإجراء تنظيمي يهدف إلى توحيد معايير الخدمة ومنع أي تمييز بين المواطنين على أساس معتقداتهم. فالسيارة المخصصة لنقل الموتى هي وسيلة خدمية ذات وظيفة محددة، وليست منصة لإظهار شعارات قد تختلف دلالاتها بين فئات المجتمع. ومن هذا المنظور، فإن الاقتصار على عبارة “نقل الأموات” مع تحديد هوية المالك والشريطين الأخضرين على الجانبين ينسجم مع مقاصد التنظيم الحديث للخدمات العمومية.

كما أن هذا القرار يمكن فهمه في سياق أوسع يتعلق بصون حرمة المتوفى وضمان نقله في ظروف صحية وإنسانية تليق بكرامته. فالتحديث الذي تسعى إليه الدولة لا يعني القطيعة مع الخصوصيات الثقافية أو الدينية، بل يهدف إلى تنظيم المجال وفق معايير واضحة تمنع العشوائية وتحسن جودة الخدمات. وقد أشار بعض الخبراء إلى أن الإسلام نفسه يحث على التنظيم وحفظ الكرامة الإنسانية، سواء في الحياة أو بعد الوفاة، وهو ما يتقاطع مع فلسفة القرار.

وفي المقابل، يلفت آخرون إلى أهمية الحوار المجتمعي وتوضيح خلفيات هذا الإجراء لتفادي سوء الفهم. فالمجتمع المغربي يتميز بتعدد مكوناته الثقافية والدينية، ويظل الحفاظ على روح التعايش والاحترام المتبادل قيمة مركزية. ولذلك فإن تقديم القرار في إطار حماية الحقوق وضمان المساواة قد يسهم في تبديد المخاوف، مع التأكيد أن الرموز الدينية تبقى محترمة في فضاءاتها المناسبة.

ولا يخفى أن تنظيم شؤون الجنائز والنقل الطبي يفرض أحياناً اعتماد بروتوكولات دقيقة، خصوصاً في حالات الأوبئة أو الأمراض المعدية، حيث تقتضي السلامة العامة إجراءات خاصة. وفي هذا السياق، يمكن اللجوء إلى آراء الهيئات الدينية المختصة لتأكيد انسجام هذه التدابير مع المقاصد الشرعية التي تعلي من قيمة حفظ النفس.

إن الجدل الدائر حول القرار يعكس حيوية النقاش المجتمعي، وهو فرصة للتفكير في كيفية التوفيق بين التنظيم الحديث واحترام الخصوصيات. فالمغرب، بتاريخه العريق في التعايش، قادر على إيجاد الصيغ التي تجمع بين متطلبات الدولة الحديثة وقيمه الثقافية، دون أن يتحول التنظيم إلى مصدر توتر. والمهم أن تبقى الغاية الأساسية هي خدمة المواطن وصون كرامته في جميع الظروف.

وهكذا، فإن القرار لا ينبغي أن يُقرأ كقطيعة مع الرموز الدينية، بل كخطوة تنظيمية تهدف إلى تحسين الخدمات وضمان المساواة. ومع استمرار النقاش، يبقى الحوار الهادئ والتوعية القانونية والدينية السبيل الأفضل لفهم المقاصد وتحقيق التوازن بين متطلبات التنظيم واحترام الهوية.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاثنين 23 فبراير 2026
في نفس الركن