وتُعد داتي من الشخصيات القليلة التي حافظت على موقعها الحكومي رغم التعديلات المتتالية التي شهدتها الحكومة منذ يناير 2024، وهو ما عزز حضورها داخل المشهد التنفيذي. وقد استمرت في أداء مهامها رغم الجدل الذي رافقها بسبب ملاحقات قضائية مرتبطة بشبهات فساد، ما جعل مسارها الوزاري محل متابعة إعلامية وسياسية دائمة.
وفي بيان صادر عن قصر الإليزيه، عبّر الرئيس ماكرون عن امتنانه لما وصفه بـ“العمل المفيد” الذي قامت به داتي في خدمة الفرنسيين خلال العامين الماضيين، موجهاً لها تشجيعاته في الاستحقاق الانتخابي المقبل. هذا الدعم العلني يعكس حرص الرئاسة على الحفاظ على توازنات سياسية دقيقة، خاصة في ظل احتدام المنافسة داخل العاصمة.
من جهتها، أكدت داتي في رسالة وداع نقلها فريقها بوزارة الثقافة أنها تغادر منصبها “بكل احترام وامتنان عميق” للعاملين في القطاع الثقافي، مشددة على أن الثقافة ستظل في نظرها “ركيزة أساسية من ركائز التماسك الوطني”. وخلال فترة توليها الحقيبة، شهد القطاع إطلاق مبادرات لدعم المؤسسات الثقافية وتعزيز الحضور الفرنسي في المشهد الفني الدولي، رغم التحديات المرتبطة بالتمويل والجدل السياسي.
ويرى مراقبون أن انتقال داتي من موقع وزاري إلى ساحة المنافسة المحلية يندرج ضمن رهانات أكبر تتعلق بإعادة تموقع اليمين في باريس، المدينة التي ظلت خلال السنوات الأخيرة ساحة صراع سياسي محتدم بين التيارات المختلفة. فالفوز برئاسة البلدية لا يحمل فقط بعداً محلياً، بل يكتسي رمزية وطنية بالنظر إلى الثقل السياسي والاقتصادي والثقافي للعاصمة الفرنسية.
وتسعى داتي إلى تقديم نفسها كمرشحة قادرة على إحداث قطيعة مع السياسات السابقة، عبر برنامج يركز على قضايا الأمن والنظافة وجودة الخدمات الحضرية، إلى جانب دعم الأنشطة الثقافية باعتبارها جزءاً من هوية المدينة. كما تراهن على خبرتها الحكومية لتعزيز مصداقيتها أمام الناخبين، في مواجهة منافسين يسعون بدورهم إلى استثمار السياق السياسي الراهن.
في المقابل، تطرح استقالتها تساؤلات حول مستقبل وزارة الثقافة ومن سيخلفها في هذا المنصب، خاصة في مرحلة تستعد فيها فرنسا لاستحقاقات ثقافية كبرى تتطلب استمرارية في السياسات والدعم المؤسسي.