وعاشت منطقة عين النقبي حالة استنفار واسعة مباشرة بعد انهيار العمارة السكنية المكونة من خمسة طوابق، حيث هرعت فرق الوقاية المدنية والسلطات المحلية وعناصر الأمن الوطني والقوات المساعدة إلى مكان الحادث، وسط تجمهر العشرات من المواطنين الذين تابعوا بقلق عمليات الإنقاذ وانتشال الضحايا من تحت الركام. كما ساهم عدد من سكان الحي والمتطوعين في المساعدة، في مشاهد إنسانية مؤثرة طبعتها الصدمة والخوف.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن البناية المنهارة كانت تضم 11 شقة سكنية، من بينها 8 شقق مأهولة بالسكان لحظة وقوع الحادث، وهو ما يفسر العدد المرتفع للضحايا والمصابين. كما دفعت المخاوف من احتمال تضرر البنايات المجاورة السلطات إلى اتخاذ قرار الإخلاء الفوري لعدد من العمارات القريبة، تفادياً لأي انهيارات محتملة قد تعرض حياة السكان للخطر.
واستقبل المستشفى الجهوي الغساني بفاس عدداً من الضحايا والمصابين الذين تم نقلهم بشكل مستعجل من موقع الحادث، فيما استقبل المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني حالات أخرى وُصفت بعض إصاباتها بالخطيرة، ما استدعى تعبئة الفرق الطبية والتمريضية للتعامل مع تداعيات هذه الكارثة الإنسانية.
وأنهت فرق الوقاية المدنية عمليات البحث تحت الأنقاض بعد ساعات طويلة من التدخل، عقب التأكد من عدم وجود أشخاص آخرين عالقين تحت الركام، وذلك بعد استعمال معدات وتجهيزات خاصة لتفكيك أجزاء البناية المنهارة وتأمين محيط الحادث.
وفي خضم هذه التطورات، أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس فتح بحث قضائي “معمق ودقيق” لتحديد الأسباب الحقيقية وراء انهيار العمارة والظروف المرتبطة بهذه الفاجعة، مع التحقيق في المسؤوليات المحتملة لمختلف الأطراف المعنية، سواء تعلق الأمر بوضعية البناية القانونية أو مدى احترام شروط البناء والصيانة والمراقبة التقنية.
وأكدت النيابة العامة أن التحقيق سيسعى إلى كشف جميع الملابسات المرتبطة بالحادث وترتيب المسؤوليات القانونية بناء على نتائج الخبرات والأبحاث الجارية، مشددة على التطبيق الصارم للقانون في حال ثبوت أي تقصير أو إهمال ساهم في وقوع هذه المأساة.
وأعاد الحادث إلى الواجهة النقاش حول وضعية البنايات القديمة والمهددة بالسقوط بمدينة فاس، خاصة في الأحياء الشعبية التي تعرف كثافة سكانية مرتفعة وهشاشة عمرانية متزايدة. ويرى متابعون أن تكرار مثل هذه الحوادث يكشف الحاجة الملحة إلى مراقبة أكثر صرامة للبنايات القديمة والتدخل الاستباقي لمعالجة التشققات والاختلالات الهندسية قبل وقوع الكوارث.
وعلاقة بالموضوع، أعلن المجلس الوطني لحقوق الإنسان متابعته بانشغال كبير لتداعيات انهيار البناية السكنية، موضحاً أن اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة فاس ـ مكناس باشرت تحركات ميدانية لمتابعة الحادث والوقوف على أوضاع الضحايا والأسر المتضررة.
وعبر المجلس عن تعازيه الحارة لعائلات الضحايا، متمنياً الشفاء العاجل للمصابين، كما أعاد التذكير ببلاغ سابق صدر عقب حادث انهيار بنايتين سكنيتين بحي المسيرة بمنطقة بنسودة بفاس خلال دجنبر 2025، في إشارة إلى تكرار حوادث مشابهة بالمدينة خلال السنوات الأخيرة.
وجدد المجلس الوطني لحقوق الإنسان التأكيد على أن تكرار انهيار البنايات السكنية يشكل مساساً مباشراً بالحق في السكن اللائق، داعياً إلى اعتماد استراتيجية وطنية شاملة تقوم على المراقبة المنتظمة للبنايات المهددة بالانهيار، وتطوير آليات الرصد والتدخل السريع لتفادي وقوع مآسٍ جديدة.
كما شدد المجلس على ضرورة احترام معايير البناء والتقيد بقوانين التعمير وربط منح رخص البناء بالمراقبة التقنية الصارمة وجودة التصاميم الهندسية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين القطاعات الحكومية والجماعات الترابية والمجالس المنتخبة لضمان حماية أرواح المواطنين.
ودعا المجلس أيضاً إلى إحداث آلية دائمة للتدخل الاستباقي فور رصد تشققات أو اختلالات إنشائية داخل المباني، بما يسمح بمعالجة المخاطر قبل تحولها إلى كوارث مميتة، مؤكداً أهمية ربط المسؤولية بالمحاسبة ونشر نتائج التحقيقات المتعلقة بهذه الحوادث للرأي العام