فن وفكر

غسان كنفاني... جمرة الكتابة والمقاومة


حين نسترجع سيرة غسان كنفاني، فإننا لا نبحث عن مأساة شخصية، بل عن جرح جماعي ما زال ينزف منذ النكبة الأولى وصولاً إلى مجزرة غزة المستمرة...



بقلم: عادل بن حمزة

الأول من أمس مرت الذكرى 54 لاستشهاد غسان كنفاني، الأديب والمثقف والمناضل الفلسطيني، بتفجير دبره الموساد الإسرائيلي في بيروت في الثامن من تموز/ يوليو من عام 1972.

لم يكن مقتله اغتيالاً لرجل وحسب، بل محاولة بائسة لاغتيال وطن بكامله. وطن كان يسكن في جسده، ويكتب بدمه، ويقاوم بكلماته. واليوم، ونحن نستحضر ذكراه وأثره، لا نرثي غسان فحسب، بل نعيد ترتيب ملامح النكبة، وننبش في رماد الحاضر المأزوم للقضية الفلسطينية باحثين عن معنى الكتابة عندما تكون جبهة متقدمة للمقاومة، وهو ما أصبحت الحاجة إليه اليوم أكثر. 

كتب محمود درويش في رثاء كنفاني: "اكتملت رؤياك، ولن يكتمل جسدك. كم يشبهك الوطن! وكم تشبه الوطن!". هذا التطابق بين الإنسان والقضية، هو جوهر ما مثله كنفاني.

لم يكن مجرد كاتب يدون مأساة اللاجئين والقضية، بل كان جسداً يمشي وفي شرايينه نزيف فلسطين المستمر. لم يمتشق قلماً فحسب، ولا بندقية، بل امتشق دمه، وسار به إلى أقصى ما يمكن للإنسان أن يفعله من أجل وطن: أن يتحول هو ذاته إلى نص، إلى رمز، إلى جبهة.

هذا التحول من الجسد إلى الفكرة، من الفرد إلى الجماعة، هو ما يجعل من استحضار كنفاني حدثاً يتجاوز الرثاء. قال عبد الرحمن منيف إن  "غسان كنفاني عدة حيوات في حياة، وجملة شخوص في شخص، وعدد من الكتاب في كاتب، هكذا كان غسان، أي متعدداً ومتنوعاً، وعلى الرغم من قصر حياته إلا أن تلك الحياة كانت كثيفة كالسحب الشتائية، ومضيئة كالشهب في ليالي المحاق، وكانت أيضاً حافلة بالمعاني والأمثولات. صحيح أنه مرّ كالإعصار لكنه ترك في وجدان هذه الأمة الكثير. ولأنه أحس بالموت في وقت مبكر ،لم يترك دقيقة تمر إلاَّ وحاول الاستفادة منها، ولم يترك وسيلة إلاّ وامتحن قدرتها على أن تكون أداة في الحرب الظالمة الطويلة التي فُرضت علينا".

لم يكن غسان كنفاني "شهيد كلمة" كما تحب بعض الروايات أن تصفه، بل هو جندي حقيقي في معركة الوعي، جبهة متقدمة في الحرب على النسيان، على الاستسلام، على التخاذل. ولهذا، كانت كل نصوصه، من "رجال في الشمس" إلى "أرض البرتقال الحزين"، أجراساً تقرع جدران خزان ضمير الإنسانية الذي ما زال صامتاً، متواطئاً، عاجزاً، أو غارقاً في الغيبوبة.

يقول درويش في رثاء كنفاني:"جميل أنت في الموت يا غسان. بلغ جمالك الذروة حين يئس الموت منك وانتحر. لقد انتحر الموت فيك. انفجر الموت فيك لأنك تحمله منذ أكثر من عشرين سنة ولا تسمح له بالولادة. اكتمل الآن بك، واكتملت به. أيها الفلسطينيون... احذروا الموت الطبيعي! هذه هي اللغة الوحيدة التي عثرنا عليها بين أشلاء غسان كنفاني". 

"لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟"، هذا السؤال من روايته الشهيرة "رجال في الشمس". لم يكن موجهاً فقط لشخصيات الرواية، بل إلى كل إنسان، إلى كل مثقف، إلى كل كاتب تواطأ بالصمت، أو ادّعى الحياد. ولهذا، حين نسترجع سيرته، فإننا لا نبحث عن مأساة شخصية، بل عن جرح جماعي ما زال ينزف منذ النكبة الأولى وصولاً إلى مجزرة غزة المستمرة. 

في مقدمة كتابه "الأدب الفلسطيني المقاوم"، كتب كنفاني أن لا حد بين الثقافة والبندقية. بين القصة والخبر، بين الافتتاحية والصرخة، لا توجد فواصل. لا يوجد اختيار بين القصة والصحافة، كما لا يوجد اختيار بين الصحافة والوطن. هو موقف وجودي، تلخصه جملته لأحد أصدقائه: "أريد أن أقول شيئاً"، وهذا القول لم يكن ترفاً، بل مقاومة. لذلك، لم يكن جسده المنثور بعد اغتياله مشهد موت، بل إعلان ولادة متجددة. أشلاء غسان كنفاني لم تكن نهاية، بل بداية لزمن تكتب فيه قصة فلسطين بالدم، لا بالحبر فقط وهي لا تزال كذلك في سياقات وظروف متغيرة. 

لقد حقق كنفاني "التطابق النهائي بينه وبين الوطن"، كما كتب درويش. أصبح جسده جغرافيا رمزية، وصوته صدى لكل فلسطيني يبحث عن وطنه في المنفى، في المخيم، في القصة، وفي الحلم. ونحن الذين نعيش في هذا الزمن الصعب، نحتاج إلى غسان أكثر من أي وقت مضى. نحتاجه لا ليكتب لنا، بل ليذكرنا كيف نكتب، ولماذا نكتب، ومن أجل من نكتب.

في رثاء غسان قال محمود درويش: "أنعزي فلسطين أم نهنئها؟ لا ندري". لا نملك إلا أن نكرر ربما ما قاله، يجب أن نعزي أنفسنا، لأننا لم نبلغ بعد درجة الانتماء التي بلغها غسان، ولم ندق جدران الخزان كما فعل. لكننا، إذا واصلنا الكتابة، كما كتب هو، ربما ننجو من الهزيمة، أو على الأقل، نموت ونحن نحاول.


 

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الجمعة 10 يوليو/جويلية 2026
في نفس الركن