كتاب الرأي

عندما يعالج تبون سكري العالم


مع تكرار المزج بين الخطاب الرسمي وحصص التنويم الذاتي الجماعي، تجاوز عبد المجيد تبون حدود المبالغة إلى ما يشبه الخيال العلمي… بعد أن “أنقذ إفريقيا”، وأعاد تعريف السيادة، وهزم الإمبريالية عبر بيانات رسمية، ها هو الرئيس الجزائري يتناول الآن الطب العالمي! الإنسولين؟ اختراع جديد كليًا… المختبرات العالمية؟ مجرد لاعبين ثانويين… والسكري على مستوى العالم؟ تم حله منذ أيامه في قصر المرادية… حين يتحدث تبون، تصمت الحقيقة… وتنخفض مستويات السكر أيضًا!!



بقلم : محمد ياسر مولين

في الماضي، اكتفت الجزائر بدور القوة الإقليمية… ثم صارت قوة عالمية!! والآن أصبحت قوة كونية، مكتشفة لكل ما هو موجود بالفعل، ومتأخرة قليلًا ولكن حصرية في إنجازاتها… بعد الدبلوماسية الكمية والاقتصاد الموازي لنفسها، يزعم تبون أن الجزائر هي الدولة الوحيدة في العالم المنتجة للإنسولين!!
 

تصفيق، “جوجل” يغلق أبوابه، وويكيبيديا تستسلم… ففي نظر العلم التبوني، العالم لم يكن موجودًا قبل المرادية… وكل شيء آخر مجرد إعلان تمهيدي!!
 

تبون وقلم الإنسولين

عرفنا الجزائر التي تكسب كل الحروب إلا تلك التي تخوضها، الجزائر التي تطعم إفريقيا لكنها تستورد العدس، الجزائر التي تحارب الإمبريالية بينما تصرف الشيكات بالدولار… والآن، الجزائر مبتكرة قلم الإنسولين، ذلك الجهاز الصغير الغامض الذي يستخدمه ملايين المصابين منذ عقود… دون أن يعلموا أنه لم يكن موجودًا أصلاً!!
 

وفقا لتصريحات الرئيس الأخيرة، فإن مرضى السكري في العالم كانوا يتلقون علاجًا وهميًا صناعياً، عبر شركات متعددة الجنسيات وهمية… طبٌ من الخيال، مؤامرة كونية… و“بيغ فارما” مجرد ديكور كرتوني!!
 

سادة الخداع (نسخة تبون)

في الكون الموازي للنظام الجزائري، الشركات العملاقة مجرد لاعبين ثانويين… نوڤو نورديسك (الدنمارك)، إيلي ليلي (الولايات المتحدة)، سانوفي (فرنسا)… هذه الثلاث تتحكم في حوالي 90% من سوق الإنسولين العالمي… لكن لا تقلقوا، كل ذلك مجرد إشاعة غربية، سراب رأسمالي، وأخبار مزيفة يمولها المصابون بالسكري بأنفسهم!!
 

نوڤو نورديسك، التي تصنع ملايين الأقلام يوميًا في أوروبا وأميركا وآسيا، كانت طوال حياتها تنتج… الهواء!! المستثمرون يستثمرون في العدم، والمرضى يحقنون أنفسهم بالشعر!! أما السوق العالمي للإنسولين، والذي يناهز 30 مليار دولار في 2025، فهو فقاعات ميتافيزيقية منتفخة بخيال جماعي، إلى أن كشف تبون الحقيقة النهائية: “لا شيء… لم يكن هناك شيء من قبل… سوى نحن!!”
 

الأول في إفريقيا؟ نعم… بعد الجميع

في مواجهة الضحك العام، حاول بعض المسؤولين الإعلاميين التراجع تكتيكيًا: “في الواقع، قصدنا الأول في إفريقيا”… كمن يطالب بالمرتبة الأولى بعد انتهاء السباق… فالواقع هنا لا يُحترم!! مصر تنتج الإنسولين منذ عقود، وأطلقت وحدات أقلام الإنسولين قبل أن تكتشف الجزائر حتى مفهوم “PowerPoint”… جنوب إفريقيا تتقن التكنولوجيا الحيوية الثقيلة بينما لا يزال آخرون يميزون بين الحقنة والقلم… المغرب يستثمر بشكل كبير في تعبئة الأقلام والشراكات الدولية والترقية التدريجية… لكن على خريطة المرادية، الجار الغربي غالبًا خارج الخريطة… أن تكون “الأول في إفريقيا” بهذه الظروف يشبه الوصول لحفلة بعد أن أنهى الضيوف الحلوى والمضيف يمسح الأرض!!
 

“100٪ جزائري” أو متلازمة قلم Bic

الخطاب الرسمي يحب عبارة “Full Process”… جميلة كأنها شعار معرض صناعي… لكنها أيضًا اعتراف بالنسيان… نعم، مصنع Biocare بأود سمّار قادر على إنتاج 60 مليون قلم… نعم، خبر جيد لملايين المصابين بالسكري في الجزائر… نعم، يوفر حوالي 250 مليون دولار من العملة الصعبة… نجاح صناعي محلي مشرف… لكن الادعاء بأن لا أحد آخر ينتج الـFull Process في 2024، يتجاهل أن مصنع شارت في فرنسا يفعل ذلك منذ عقود للعالم بأسره… كمن يدعي أنه أول من اكتشف النار لأنه اشترى ولاعة Bic للتو!!
 

حقن جرعة من الواقع

الانتقال من الاستيراد إلى الإنتاج خطوة مهمة… والاعتراف بها كافٍ… لكن تحويل كل تقدم نسبي إلى ملحمة عالمية، كل مصنع إلى معجزة كونية، كل قلم إلى حدث مؤسس للبشرية، هذا شيء آخر… عند مستوى هذه الأسطورة الصناعية، لم يعد المطلوب حقن الإنسولين، بل جرعة كبيرة من الواقع…
 

يبقى يقين واحد… رغم عدم قدرته على علاج سكري العالم، فإن تبون نجح في إحداث “هبوط سكر فكري” على المستوى الوطني… وفي بلد يُعاد فيه كتابة التاريخ مع كل خطاب، شيء واحد ثابت… القلم الرئاسي لا ينفد أبدًا…
 

والأهم، نتمنى له ولاية ثالثة… ليس من أجل الاقتصاد أو الصناعة، بل من أجل الدعابة الوطنية… فتبون، بهذا الإيقاع، قد لا يعالج سكري العالم، لكنه بالتأكيد يعالج الكآبة بابتسامة لا إرادية… والسلام عليكم ورحمة الله.





الاربعاء 7 يناير 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic