لوديجي ستوديو
علاش حنا هاكا ؟ الجار قبل الدار... هل فقدنا ثقافة حسن الجوار في مدننا ؟
في زمن المدن الكبرى والإيقاع السريع للحياة، لم يعد الجار مجرد شخص يسكن في الشقة أو المنزل المجاور، بل أصبح عنصراً أساسياً في معادلة الراحة النفسية والاستقرار الاجتماعي. فالعلاقة بين الجيران، التي كانت في الماضي تقوم على التضامن والتعارف اليومي، تواجه اليوم تحديات جديدة فرضتها أنماط العيش الحديثة، وأفرزت أشكالاً مختلفة من الخلافات التي قد تبدأ بضوضاء بسيطة وتنتهي بنزاعات قضائية.
هذا هو المحور الذي تناولته إحدى الحلقات الحوارية، حيث سلطت الضوء على مفهوم حسن الجوار باعتباره سلوكاً مدنياً قبل أن يكون مجرد قيمة أخلاقية، مؤكدة أن جودة الحياة داخل الأحياء والإقامات السكنية تبدأ من احترام الجار لحقوق جاره. فالعلاقة بين الجيران ليست اختياراً، بل واقع يفرضه العيش المشترك، وهو ما يجعل الاحترام المتبادل والتفاهم أساساً لأي مجتمع متوازن.
من الجار كفرد من العائلة... إلى مجرد "صباح الخير"
شهدت علاقة الجوار خلال العقود الأخيرة تحولاً واضحاً. ففي الماضي، كان الجيران يتقاسمون الأفراح والأحزان، ويتعاونون في مختلف المناسبات، حتى أصبح الجار بمثابة فرد من الأسرة. أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة العلاقات داخل المدن، وأصبح كثير من السكان يكتفون بعلاقات سطحية، بل إن بعضهم لا يعرف حتى أسماء جيرانه.
ويرى المتدخلون أن هذا التحول لا يعود فقط إلى تغير أنماط السكن، بل أيضاً إلى تراجع قيم التواصل الاجتماعي، مقابل تصاعد النزعة الفردية والبحث عن الخصوصية، وهو ما جعل كثيراً من الخلافات اليومية أكثر تعقيداً وأقل قابلية للحل بالحوار.
الضوضاء والخصوصية والنزاعات... عندما تتحول العمارة إلى ساحة صراع
من أكثر المشاكل التي تتكرر داخل الإقامات السكنية، الضوضاء المفرطة، والحفلات التي تمتد إلى ساعات متأخرة، إضافة إلى احتلال الممرات والأسطح والأماكن المشتركة، أو الامتناع عن أداء المستحقات الخاصة بتسيير العمارات.
هذه السلوكيات، وإن بدت بسيطة للبعض، إلا أنها تؤثر بشكل مباشر على راحة باقي السكان، وتخلق أجواء من التوتر وسوء الفهم، خاصة عندما يغيب الحوار أو الاعتذار، ويتحول الخلاف إلى مواجهة مفتوحة.
وأكدت الحلقة أن احترام خصوصية الجيران، ومراعاة أوقات الراحة، والمحافظة على نظافة وسلامة الفضاءات المشتركة، ليست مجرد قواعد قانونية، بل تعبير عن مستوى الوعي المدني داخل المجتمع.
الإشاعة... عدو حسن الجوار
ومن بين الظواهر التي تساهم في تأزيم العلاقات بين الجيران، انتشار الإشاعات وتداول الأخبار الخاصة بالعائلات، وهو ما يؤدي إلى توسيع دائرة الخلافات بدل احتوائها.
وشددت الحلقة على أن احترام الخصوصية وعدم التدخل في الحياة الشخصية للآخرين يشكلان أحد أهم أسس التعايش، مع التمييز بين الحالات التي تستوجب التدخل القانوني، مثل العنف أو تعريض الأشخاص للخطر، وبين الخلافات الأسرية التي ينبغي التعامل معها بحكمة واحترام.
التضامن لا يزال ممكناً
ورغم التحولات الاجتماعية، ما زالت قيم التضامن تظهر في العديد من المناسبات، خصوصاً خلال حالات الوفاة أو المرض أو الأفراح العائلية. غير أن هذا التضامن يحتاج إلى قاعدة أساسية هي الاحترام المتبادل، لأن الثقة بين الجيران لا تُبنى في لحظة الأزمة، بل تتشكل من خلال السلوك اليومي.
فالجار الجيد ليس من يقدم المساعدة فقط، بل من يحرص على ألا يكون سبباً في إزعاج غيره، ويعتذر عندما يخطئ، ويحترم حقوق الآخرين كما يطالب باحترام حقوقه.
وعي مدني... قبل القوانين
خلصت الحلقة إلى أن أغلب مشاكل الجوار لا تحتاج بالضرورة إلى المحاكم، بقدر ما تحتاج إلى وعي مدني وثقافة الحوار والمسؤولية الفردية. فكلما ارتفع مستوى احترام القواعد المشتركة، تراجعت النزاعات وتحسنت جودة الحياة داخل الأحياء السكنية.
فالمدن الحديثة لا تُقاس فقط بجمال بناياتها أو جودة طرقها، وإنما أيضاً بقدرة سكانها على العيش معاً في إطار من الاحترام والتعاون والتسامح. فحسن الجوار ليس قيمة اجتماعية فحسب، بل هو استثمار يومي في الأمن النفسي والاستقرار المجتمعي.
الثلاثاء 14 يوليو/جويلية 2026
في نفس الركن
{{#item}}
{{/item}}
{{/items}}