عمليات الإجلاء الواسعة، التي همّت أزيد من 143 ألف مواطن، لم تكن قرارًا سهلاً، لكنها جسدت مقاربة استباقية جنّبت البلاد سيناريوهات أكثر مأساوية. مشاهد خروج السكان من بيوتهم، في هدوء ومسؤولية، عكست بدورها وعيًا جماعيًا نادرًا، واستجابة مواطِنة لنداءات السلطات، رغم الألم النفسي الذي رافق مغادرة المنازل والممتلكات.
في المقابل، كشفت الأزمة عن وجهين متناقضين داخل المجتمع. وجه مضيء جسدته موجات التضامن العفوي، حيث فتحت أسر مغربية بيوتها للنازحين، وتطوع شباب وجمعيات لتقديم المساعدة، من إيواء وغذاء وملابس، في مشاهد أعادت التذكير بقيم التكافل المتجذرة في المجتمع المغربي.
هذا التضامن الشعبي، إلى جانب التنظيم الميداني الذي وفّرته الدولة عبر مخيمات الإيواء والتجهيزات اللوجستيكية، ساهم في تخفيف وطأة المحنة، ومنح المتضررين إحساسًا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الخطر.
غير أن الوجه الآخر للأزمة كان أكثر قتامة، تمثل في ممارسات “تجار الأزمات” الذين استغلوا حاجة الناس ورفعوا أسعار مواد أساسية وخدمات حيوية بشكل صادم. فقد ارتفع سعر الشمعة الواحدة من 2–3 دراهم إلى ما بين 8 و10 دراهم، وزادت أسعار كراء المنازل والبيوت المؤقتة من 70–100 درهم إلى 300–400 درهم لليلة واحدة، في حين قفزت تذاكر الحافلات المحلية من 5–7 دراهم إلى 15–20 درهم للرحلة القصيرة وبعض الخطوط المتوسطة تجاوزت 30–40 درهم.
هذه السلوكيات، التي تتناقض مع قيم التضامن، أكدت ضرورة تفعيل القوانين الزجرية، وتشديد المراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتحول الكوارث الطبيعية إلى فرص مفتوحة للاستغلال.
ما جرى في شمال المغرب ليس فقط قصة فيضانات، بل درس جماعي. درس في أهمية الاستباق والجاهزية، وفي دور الدولة حين تتصرف كدولة حماية، وفي وعي المواطنين حين يختارون السلامة والالتزام بدل الفوضى. وهو أيضًا تذكير بأن المناخ يتغير، وأن الكوارث قد تتكرر، ما يجعل الاستثمار في البنية التحتية، والإنذار المبكر، وثقافة التضامن، ضرورة لا خيارًا.
بين من حمل المعول لإنقاذ الأرواح، ومن فتح بيته لإيواء المتضررين، ومن اختار للأسف استغلال الألم، تتحدد ملامح المجتمع في لحظات الشدة. وشمال المغرب، رغم النزيف، رسم صورة لمجتمع قادر على استعادة توازنه في أكثر اللحظات قسوة.