فن وفكر

سينما تالا حديد: حين تتحول الصورة إلى سؤال مفتوح


ليست كل الأفلام متشابهة في علاقتها بالمشاهد. فهناك أفلام تُشاهَد بالعين فقط، تُستقبل كمنتج ترفيهي عابر، يكتفي بإثارة الحواس ويُبقي الجسد في حالة سكون. وهناك أفلام تُرى حقاً، تستفز العقل وتستدرجه إلى التفكير. ثم هناك فئة ثالثة، أكثر ندرة وعمقاً، هي أفلام تُتأمَّل؛ حيث تتحول الصورة إلى زمن، والسينما إلى تجربة فكرية وتخيلية ممتدة. ضمن هذه الفئة، تندرج سينما المخرجة المغربية-العراقية تالا حديد.



من الصورة إلى التيه: سينما بلا يقين سردي
في فيلمها «إطار الليل الضيق» (The Narrow Frame of Midnight)، لا تراهن تالا حديد على اكتمال الحكاية أو وضوح المسار. نحن أمام بطل منهك، يظهر كأنه قادم من العدم، ويمضي إلى العدم ذاته، متنقلاً بين الدار البيضاء، إسطنبول وبغداد، في بحث عن أخ لا يملك عنه سوى شذرات من ذاكرة طفولة بعيدة. هنا، لا يتشكل المعنى عبر سببية تقليدية، بل يتسلل عبر الفراغات، عبر تراكم الصور والأصوات والمواقف غير المكتملة. المشاهد لا يُلقَّن، بل يُدعى ليكون رفيق رحلة، شاهداً على تيهٍ وجودي يشبه نزهة تأملية داخل متحف مفتوح.

خارج الوصفات الجاهزة: اختيار سينمائي واعٍ
يخرج فيلم تالا حديد عن الطرق السينمائية المعبدة. لا يعتمد على نجوم الشباك، ولا يراهن على المواضيع الاستهلاكية أو المعالجات السطحية. ورغم حضور الفنانة مجدولين في دور رمزي مكثف، فإن باقي الممثلين يشكلون اكتشافات حقيقية. قوة الفيلم لا تكمن في الإبهار السهل، بل في التزامه الصارم بمنطق سينمائي خالص، يجعله أقرب إلى عمل «مضاد لبازان»، يعيد طرح سؤال السينما الصافية في زمن الامتزاج والتهجين.

شكل يبحث عن معنى… لا العكس
هذا فيلم من زمننا، لا يسعى إلى صبّ معنى جاهز في قالب نوعي محدد، بل ينطلق من الشكل ليقترح المعنى. إنه عمل يستدعي مشاركة المشاهد: بعينه، بعقله، وبقلبه. جسد يتماهى مع أجساد تائهة، تبحث عن ذاتها وسط عالم متشظٍ، بلا خرائط واضحة.

الصمت والسكون: وصية بريسون حاضرة
يبدو أن تالا حديد استحضرت مقولة روبرت بريسون الشهيرة: «تأكد من أنك استنفدت كل ما يمكن إيصاله عبر السكون والصمت». فالفيلم يتطلب انتباهاً عالياً، وانخراطاً في إيقاع خاص، وتعاطفاً مع كائن جمالي لا يمنح نفسه بسهولة، لكنه يكافئ الصبر والانتباه.

حكاية بلا ترتيب: حين تلتقي الأقدار
هناك قصة، نعم، لكنها لا تُروى وفق الترتيب الكلاسيكي. يلتقي قدران: زكريا وعائشة. زكريا، الذي يفتتح الفيلم ويختتمه، قادم من فراغ داخلي، يحمل جرحاً لا يُقال. يبحث عن أخيه يوسف، الذي تشير الدلائل إلى أنه غادر نحو العراق. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار فيلم تالا حديد من أوائل الأفلام المغربية التي تلامس موضوع التحاق “الجهاديين” بساحات القتال، لكن من زاوية داخلية، إنسانية، بعيدة عن الخطاب التقريري.

زكريا وعائشة: الثقافة في مواجهة الطبيعة
في مقابل زكريا، تظهر عائشة، الاسم الذي يحيل إلى الحياة. نلتقي بها أول مرة في غابة، كطفلة برية، يتيمة، تُنتزع من قريتها الأمازيغية تيمحضيت – التي تعني paradoxalement “المحمية” – لتقع ضحية شبكات الاتجار بالأطفال. هنا، تتقاطع الثقافة والطبيعة، العقل والبراءة، في مسار مشترك داخل عالم قاسٍ.

الغيرية والعولمة: عنف بلا وجه
يقدم الفيلم تشريحاً دقيقاً لفكرة الغيرية في عالم معولم. اختطاف عائشة يحيل إلى نهب الجنوب بتواطؤ محلي، يوسف يسحقه وهم الانتماء إلى مطلق مقدس، وزكريا يعيش حباً متعثراً مع جوديت، الأوروبية، في علاقة يشوبها الحنين والانكسار. الجميع ضحايا عنف رمزي أو مادي، يتخذ أشكالاً متعددة.

اللوحة كمرآة للتاريخ المتكرر
من أكثر مشاهد الفيلم كثافة، ذلك الذي تقود فيه الكاميرا المشاهد نحو لوحة «استشهاد القديسين كوزماس وداميان» لفرا أنجيليكو. في صمت شبه كنسي، تتحول اللوحة إلى مرآة لعنف متكرر، لعودة التاريخ في حلقة دامية. إنها إحالة ذكية ترفض التفسير الخطي، وتصر على تعقيد العالم.

«لقد نسيت ساعتك»: الزمن كعلامة وجودية
جملة عابرة تنطق بها شابة أمازيغية: «لقد نسيت ساعتك». لكنها تختزل جوهر الفيلم. نسيان الزمن، أو التحرر منه، هو ما يسمح للشخصيات – وللمشاهد – بمواصلة الطريق، رغم الغموض.

خاتمتان… ومصيران
يقدم الفيلم خاتمة مزدوجة: عائشة تجد طريقها وحدها نحو مرج يلعب فيه الأطفال، بينما يغرق زكريا وسط موجة من نساء متشحات بالسواد. مشهدان متقابلان، يلخصان قدراً منقسماً: أفق مسدود من جهة، وبذرة حياة من جهة أخرى. هكذا تتركنا تالا حديد أمام سؤال مفتوح، بلا إجابة جاهزة، لكن محمّلاً بعمق إنساني وجمالي نادر.




الاثنين 9 فبراير 2026
في نفس الركن