كتاب الرأي

سيد KY : أنت لا تتصرف كمحلل رياضي، بل كمُخرِّب

أنت لا تُحذّر، بل تُحبط شعبًا. لذلك، اصمت


هناك لحظات تتجاوز فيها كرة القدم حدود المستطيل الأخضر، لتصبح مرآة جماعية، ونفسًا وطنيًا، ونقطة توازن هشّة بين الأمل والذاكرة، قبيل أيام قليلة من مباراة حاسمة لأسود الأطلس، لم تعد بعض الخطابات تندرج ضمن خانة التحليل الرياضي، بل تنزلق نحو شيء آخر… أكثر ظلمة، وأكثر عقمًا، وأكثر خطورة أيضًا. وبصفتي مشجعًا مغربيًا، واعيًا، متبصرًا، ومتمسكًا بروح النقد، آن الأوان لضبط بعض الساعات. دون كراهية. دون سذاجة. ولكن أيضًا دون مجاملة.



بقلم : عدنان بنشقرون

النقد نعم، الهدم المعنوي لا
 

لم يمنع المغرب يومًا النقد الرياضي. فهو جزء من اللعبة، ومن الديمقراطية الإعلامية، ومن ثقافة النقاش. مناقشة خيار تكتيكي، أو طرح أسئلة حول تشكيلة، أو التشكيك في الجاهزية البدنية، كل ذلك صحي وضروري. لكن ما نشهده منذ أسابيع تجاوز هذا الإطار.
 

الإصرار على ترديد أن «المغرب لن يفوز»، والتقليل من قيمة كل انتصار، واختزال كل تقدم في ضربة حظ، جعل بعض المعلقين السابقين أسرى لوضعية الهزيمة المسبقة. لم يعد الأمر تحليلًا، بل سردية كاملة. سردية مثيرة للقلق، مكررة، تكاد تكون هوسية.
 

المشكلة ليست في الشك، فالشك إنساني، المشكلة أن يتحول الشك إلى أفق وحيد، أن يُتحدث قبل المباريات كما لو أن الهزيمة وقعت بالفعل. وأن يُنظر إلى الحماس الشعبي كنوع من السذاجة المذنبة، أو حتى كخطر، المشجع الذي يؤمن ليس أحمق. والشعب الذي يأمل ليس مُستَغَلًا. إنه ببساطة… حي.
 

مشروع كروي مغربي لم يعد بالإمكان تجاهله
 

لنكن جديين للحظة. كرة القدم المغربية لم تعد مجرد ارتجال عاطفي، ولا مغامرة عشوائية تحركها الحماسة وحدها. خلال السنوات الأخيرة، فرض مشروع واضح نفسه، منظم، ومعلن.
 

الجامعة استثمرت. البنيات التحتية تغيرت جذريًا. التكوين أصبح احترافيًا. والاختيارات التقنية لم تعد خاضعة للهلع أو لضغط الشارع، بل لرؤية متوسطة وبعيدة المدى. وليد الركراكي ليس معصومًا من النقد، لكنه ليس أيضًا مدربًا وُضع بالصدفة. لقد أثبت نفسه. فوق الملعب. أمام الكبار.
 

أما اللاعبون، فهم ينشطون في أقوى البطولات، داخل منظومات تتطلب الانضباط، وثقافة الفوز، والصرامة التكتيكية، وهي أمور لم تكن بهذا المستوى قبل خمسة عشر عامًا. هذا المغرب يُحترم. يُراقَب. بل يُخشَى، الاستمرار في الحديث عن كرة القدم المغربية وكأنها محكوم عليها بالفشل، هو إما إنكار للواقع… أو اختيار متعمد لعدم رؤيته.
 

لمن يخدم التشاؤم الدائم؟
 

السؤال مشروع، دون هوس ولا سذاجة: من يستفيد من هذا الخطاب القاتم؟ ليس المنتخب، ليس اللاعبون الذين يقرأون ويسمعون ويشعرون، ليس الجمهور الذي يحق له أخيرًا أن يحلم دون اعتذار، وليس كرة القدم الوطنية التي تحتاج إلى بيئة مستقرة، ناقدة ولكن داعمة.
 

التشاؤم المزمن يتحول بسرعة إلى وضعية مريحة: «قلت لكم». محلل لا يخسر أبدًا لأنه يراهن دائمًا على السقوط. لكن هذا الارتياح الفكري له ثمن جماعي: ينهك الثقة، يزرع التعب المعنوي، ويفسد العلاقة بين الفريق وجمهوره، الصحفي الرياضي السابق ليس مُطالبًا بأن يتحول إلى حارس لمعبد الكآبة الوطنية.
 

التشجيع لا يعني التخلي عن النقد
 

أن تكون مشجعًا مغربيًا اليوم لا يعني إعلان النصر قبل صافرة البداية. ولا يعني إنكار النقائص أو المخاطر. كرة القدم غير متوقعة، وكأس إفريقيا بطولة مليئة بالفخاخ، واللعب على أرض الوطن يضاعف الضغط.
 

لكن الإيمان، والدعم، والمؤازرة، لا تعني العمى. إنها اختيار وجداني واعٍ. وفهم بأن الرياضة عالية المستوى تُلعب أيضًا في العقول، وأن الثقة مورد استراتيجي، الدول الكبرى رياضيًا أدركت هذا منذ زمن. تحمي منتخباتها في اللحظات الحاسمة. تناقش، نعم، لكنها لا تُخرب الزخم الجماعي عشية المعارك،المغرب يستحق هذه النضج.
 

شعب موحد خلف أسوده ليس خطرًا… بل قوة
 

هناك شيء صحي وعميق في هذا الالتفاف الشعبي حول أسود الأطلس: عائلات، شباب، مسنون، مدن بأكملها تنبض معًا. في عالم ممزق ومثقل بالأخبار السيئة، هذا الرابط ثمين.
 

اختزاله في تلاعب عاطفي أو هستيريا جماعية ليس فقط خاطئًا، بل مُهين. الشعب المغربي قادر على التمييز. يعرف كيف يصفق دون تقديس، وينتقد دون تدمير،الملكية الدستورية، وروح الوحدة الوطنية، والإسلام المتسامح، والتنوع الاجتماعي والثقافي، كلها وجدت دائمًا في الرياضة فضاءً جامعًا ومتزنًا. كرة القدم، حين تُدار بذكاء، توحّد دون إقصاء، كسر هذا من أجل الظهور الإعلامي خطأ أخلاقي.
 

حرية التعبير لا تبرر كل شيء
 

نعم، لكل شخص الحق في التعبير. نعم، التعددية الإعلامية ضرورية. لكن حرية التعبير لا تعني نشر تشاؤم سام دون مسؤولية، عشية مباراة حاسمة، تقديم الفشل كحقيقة مؤكدة ليس موقفًا محايدًا. ليس «قول الحقيقة». إنه صناعة مناخ، وأحيانًا، عن وعي أو دون وعي، تخريب لما يُبنى.
 

الصحفي، حتى بعد التقاعد، يحمل مسؤولية رمزية. كلمته لها وزن. تشكل الخيال الجماعي. يمكنها أن تُنير… أو تُعتم،وفي هذا السياق بالذات، اختيار الزاوية الأكثر قتامة ليس شجاعة فكرية. إنه أسهل الطرق،أسود الأطلس يتقدمون… والباقي مجرد ضجيج
 

أسود الأطلس لا يحتاجون إلى إجماع مصطنع، ولا إلى تقديس. يحتاجون إلى محيط عادل: ناقد لكن وفيّ، صارم لكن بنّاء،ما عدا ذلك مجرد ضجيج. تعليق فارغ. وحنين متنكر في ثوب الخبرة، المغرب يتقدم. وكرة قدمه كذلك. قد يتعثر أحيانًا. وقد ينتصر أيضًا. لكنه لم يعد مضطرًا للاعتذار عن إيمانه بنفسه، ولمن يخلط بين التحليل والتخريب، وبين الواقعية والسخرية، شيء واحد مؤكد : التاريخ لا يتذكر أنبياء الهزيمة، بل يتذكر من اختاروا البناء، والدعم، والمواكبة





الاربعاء 7 يناير 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic