آخر الأخبار

رمضان في الأقاليم الجنوبية للمملكة: تقاليد صحراوية تجمع بين الروحانية والبساطة الاجتماعية


يحمل شهر رمضان المبارك في الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية دلالات روحية واجتماعية خاصة، حيث تتقاطع حرارة الصحراء مع دفء العادات والتقاليد المحلية، ليصبح الشهر الفضيل مناسبة جماعية لإحياء قيم التضامن والسكينة والارتباط بالتراث الحساني العريق.



ويستقبل الصحراويون رمضان بتقدير بالغ، غير أن مظاهر الاستقبال هنا تتسم بخصوصية محلية، إذ تتناغم الشعائر الدينية مع طقوس اجتماعية متوارثة. قبل حلول الشهر، تتسارع وتيرة الاستعداد داخل البيوت، حيث يحرص الناس على تقديم الصدقات وصِلات الرحم، فيما يلتزم الموسرون بإخراج الزكاة طلباً لمضاعفة الأجر، ما يعكس حرص المجتمع الصحراوي على ترسيخ قيم التكافل الاجتماعي وتعزيز التضامن العائلي والمبادرات الجماعية.

طقوس النشأة والتربية الدينية
يُولي المجتمع الصحراوي اهتماماً خاصاً للأطفال خلال رمضان، من خلال إدماجهم تدريجياً في الصيام، بدءاً بصوم جزء من اليوم وصولاً إلى اليوم كامل. ومن العادات القديمة التي تراجعت بعض الشيء اليوم، حلق رؤوس الأطفال مع مطلع الشهر تبركاً وتيمناً، إلى جانب تشجيعهم على ختم القرآن أكثر من مرة، لتعزيز التربية الدينية المبكرة وغرس القيم الروحية منذ الصغر.

المطبخ الصحراوي ومائدة رمضان
تحتفظ المائدة الصحراوية ببساطتها التقليدية رغم تأثيرات التمدن، حيث تُنظَّم الوجبات الرمضانية حول ثلاث وجبات رئيسية. يبدأ الإفطار عادة بالتمر وحساء تقليدي مُحضر من حبوب متعددة، يلي ذلك مشروب الزريك، المصنوع من لبن الإبل أو الغنم، والمقدم في أقداح خشبية تقليدية، باعتباره عنصراً أساسياً في المائدة. ولا يكتمل الإفطار دون الشاي الصحراوي أو الأتاي، الذي يشكل رمزاً للكرم وحسن الضيافة، حاضراً قبل الوجبات وبعدها، ومتجذرًا في الذاكرة الأدبية والشعرية الحسانية.

وتُقدَّم بعد الإفطار وجبة ثانية غالباً من اللحم المشوي أو المطهو، رغم التحديات التي يفرضها ارتفاع أسعار لحوم الإبل والغنم على الأسر المحلية. أما الأسماك، رغم توافرها في السواحل الجنوبية، فيظل حضورها محدوداً على موائد الصائمين بسبب ارتفاع أسعارها ونظرة ثقافية متوارثة تقلل من استهلاك أطعمة البحر، خصوصاً لدى كبار السن.

ويُصاحب السحور تنوعٌ بين أطباق الأرز باللحم، وأطباق تقليدية مثل “بلغمان” الممزوج بالدهن، أو الاكتفاء بكأس من “الزريك” بعد جلسة شاي أخيرة، لتكون لحظة هادئة تعكس روح البساطة والأنس الرمضاني.

جانب اجتماعي وترفيهي
يتيح رمضان في الأقاليم الجنوبية فضاءً اجتماعياً مفتوحاً، حيث تعود الألعاب الشعبية التقليدية للظهور خلال السهرات الرمضانية، لتخفيف وطأة الصيام وحرارة الطقس، ومنح ليالي الشهر الفضيل نكهة خاصة تجمع بين التسلية والتقارب الاجتماعي. ورغم أهميتها الثقافية والاجتماعية، فإن بعض هذه الممارسات أصبح مهدداً بالاندثار أمام زحف أنماط الترفيه الحديثة، مما يستدعي مزيداً من الحماية للحفاظ على الهوية التراثية للمنطقة.

رمضان في الصحراء المغربية إذن ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو احتفال بالروحانية والتقاليد الاجتماعية والمطبخ المحلي، وفضاء لإعادة إنتاج قيم التضامن والكرم والارتباط بالتراث الصحراوي، ليظل الشهور الفضيل محطة سنوية لتجديد الروابط الأسرية والاجتماعية في الأقاليم الجنوبية.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الخميس 19 فبراير 2026
في نفس الركن