أخبار بلا حدود

خوزستان تحت النار: تقرير حقوقي يكشف جرائم قمع ممنهجة للنظام الإيراني


كشفت جمعية حقوق الإنسان في إيران، في تقريرها الأخير، عن سلسلة انتهاكات خطيرة وغير مسبوقة ارتكبتها السلطات الإيرانية في محافظة خوزستان، على خلفية اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية المناهضة للنظام. التقرير، المستند إلى مصادر محلية وشهادات ميدانية موثوقة، يرسم صورة قاتمة لما يمكن وصفه بجرائم حرب ممنهجة، تشمل الدفن الجماعي للضحايا، واعتقال الأطفال، وتحويل المدارس إلى مراكز تحقيق وتعذيب، في انتهاك صارخ لكل القوانين والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.



ويعكس ما ورد في التقرير استخفافاً ممنهجاً من قبل السلطات الإيرانية بالمبادئ الأساسية للكرامة الإنسانية، ويكشف عن استراتيجية قمع مخططة تهدف إلى كسر إرادة المحتجين وإخماد أي صوت معارض بالقوة المفرطة والرعب المنظم.

مجازر متعددة المدن: تصعيد دموي منسّق

أفاد التقرير بأن الفترة الممتدة بين 8 و10 يناير شهدت تصعيداً دموياً خطيراً في عدد من مدن خوزستان، من بينها مسجد سليمان، ورامز، وإيذه، ولالي، ودزفول، حيث أسفرت المواجهات عن سقوط مئات القتلى والجرحى نتيجة الاستخدام المفرط والعشوائي للقوة من قبل الأجهزة الأمنية. كما تم تسجيل سقوط ضحايا في مدن أميدية، وشوشتر، وماهشهر، وآبادان، والأهواز، في ظل تعتيم إعلامي شامل وقطع شبه كامل للمعلومات.

ويشير التقرير إلى أن هذا التصعيد لم يكن عشوائياً، بل جاء في إطار استراتيجية أمنية تستهدف المدن التي تشهد أعلى مستويات الاحتجاج، مع فرض حصار أمني وإعلامي خانق لمنع تسرب الأخبار وتحديد العدد الحقيقي للضحايا.

الأهواز: مقابر جماعية لطمس الحقيقة

من أخطر ما ورد في التقرير شهادات صادمة لسائق سيارة إسعاف في مدينة الأهواز، أكد فيها نقل عشرات الجثث ودفنها في مقابر جماعية سرية، دون تسجيل هويات الضحايا أو إبلاغ عائلاتهم. ويهدف هذا الإجراء، بحسب التقرير، إلى منع تنظيم جنازات قد تتحول إلى مظاهرات جديدة، وإخفاء الحجم الحقيقي للخسائر البشرية.

هذا الأسلوب يعكس نمطاً ممنهجاً لإخفاء الجرائم وتزوير الوقائع، ويؤكد أن السلطات تتعامل مع أرواح المواطنين باعتبارها أرقاماً يمكن محوها من السجلات دون مساءلة.

اعتقال الأطفال: جريمة مزدوجة بحق الإنسانية

وفي انتهاك فاضح لاتفاقيات حقوق الطفل، كشف التقرير عن اعتقال تلاميذ يدرسون في المدارس الابتدائية، ونقلهم إلى سجن الأهواز المركزي المعروف بـ“شيبان”. ووفق الشهادات، تم احتجاز هؤلاء الأطفال في أقسام مخصصة لمرتكبي الجرائم الخطيرة، دون أي معلومات لعائلاتهم حول مصيرهم أو أوضاعهم الصحية والنفسية.

وتشير هذه الممارسات إلى استهداف متعمد للأجيال الناشئة، واستخدام الأطفال كوسيلة للضغط النفسي وكسر الروح الاحتجاجية داخل المجتمع، في سلوك يتعارض مع أبسط القيم الإنسانية والأعراف القانونية.

المدارس تتحول إلى مراكز تحقيق وتعذيب

أظهر التقرير أيضاً أن عدداً من المدارس في مدينة الأهواز تم تحويلها إلى معتقلات مؤقتة تشرف عليها الأجهزة الأمنية. وبحسب شهود عيان، لم يقتصر دور هذه المدارس على الاحتجاز، بل استُخدمت كمراكز للتحقيق وممارسة التعذيب ضد المعتقلين.

ويمثل هذا التحول الخطير استباحة واضحة للمؤسسات التعليمية والمدنية، ويهدف إلى تحطيم أي شعور بالأمان داخل المجتمع، وتوجيه رسالة مفادها أن لا مكان آمناً خارج قبضة الأجهزة الأمنية.

سد دز: محاولة لإخفاء الأدلة

ومن بين أكثر الشهادات إثارة للقلق، تحدث التقرير عن قيام مروحيات عسكرية بإلقاء أكياس كبيرة في المياه خلف سد دز، يُشتبه في احتوائها على جثث معتقلين أو ضحايا تمت تصفيتهم. وتشير هذه الممارسات إلى محاولات ممنهجة لطمس الأدلة وإخفاء مصير المفقودين، بما يضيف بعداً جديداً من الرعب والسرية لما يجري في الإقليم.

التعتيم الإعلامي: الجريمة التي تحمي الجرائم

واختتمت جمعية حقوق الإنسان تقريرها بالتأكيد على أن قطع الإنترنت وفرض رقابة أمنية مشددة حالا دون توثيق شامل لكل الانتهاكات. وما تم الكشف عنه، بحسب التقرير، لا يمثل سوى جزء يسير من واقع أكثر دموية، ما يبرز اعتماد النظام الإيراني على التعتيم الإعلامي كأداة مركزية لحماية الجرائم من المساءلة.

خوزستان اختبار لضمير العالم

إن ما يكشفه هذا التقرير يعكس تصعيداً غير مسبوق في وحشية القمع الذي تمارسه السلطات الإيرانية، بدءاً من الدفن السري للضحايا، مروراً باعتقال الأطفال وتعذيبهم، وصولاً إلى تحويل المدارس إلى أدوات للقمع. وتضع هذه الوقائع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية عاجلة لتوثيق الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها.

لقد تحولت خوزستان، وفق ما يظهره التقرير، إلى مختبر لقمع ممنهج لا يميز بين مدني وعسكري، ولا بين بالغ وطفل، في ظل صمت دولي يهدد بتحويل هذه الجرائم إلى واقع اعتيادي ما لم يتم التحرك العاجل لوقفها.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 27 يناير 2026
في نفس الركن