أسرتنا

حين تتحول الطفولة إلى محتوى على منصات التواصل الاجتماعي: بين الشهرة المبكرة وحدود الحماية


في عصر الخوارزميات وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت بعض مظاهر الطفولة تُعرض أمام ملايين المشاهدين قبل أن يتمكن الطفل من القراءة أو الكتابة. أطفال يظهرون في مقاطع فيديو يومية، داخل منازلهم أو في مواقف مُعدّة بعناية، يحققون نسب مشاهدة ضخمة، ليصبحوا جزءاً من اقتصاد رقمي متنامٍ يقوم على صناعة المحتوى بكل أشكاله.



هذا التحول من الحياة الخاصة إلى “العرض العام” لم يعد استثناءً، بل أصبح ظاهرة تتوسع مع تزايد المؤثرين وصناع المحتوى الذين يعتمدون على تصوير أطفالهم في تحديات، مقالب، أو إعلانات مدفوعة، ما يطرح تساؤلات عميقة حول حدود استغلال الطفولة في الفضاء الرقمي.

وتعيد قضية الطفل المغربي البالغ من العمر ست سنوات، الذي ظهر في مقطع فيديو وهو يُشجَّع على شرب الكحول، الجدل إلى الواجهة حول خطورة بعض المحتويات التي يتم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، وحول الخط الفاصل بين الترفيه والاستغلال، وبين التوثيق العفوي والتشهير أو الإضرار بالطفل.

وقد أثارت هذه الواقعة موجة من الغضب والقلق في الأوساط الحقوقية والاجتماعية، حيث اعتبر كثيرون أن إدخال الأطفال في محتويات صادمة أو غير مناسبة لأعمارهم يشكل تجاوزاً خطيراً لحقوقهم، ويعرضهم لتأثيرات نفسية وتربوية قد تمتد آثارها على المدى البعيد.

ويرى مختصون في علم النفس والتربية أن الطفل، في مراحله الأولى من النمو، يكون في وضعية حساسة للغاية، حيث تتشكل شخصيته وقيمه وسلوكياته، ما يجعل تعريضه لمحتوى غير مناسب أو استغلاله في صناعة محتوى ترفيهي أو ربحي أمراً يحتاج إلى رقابة صارمة وإطار قانوني واضح.

كما يحذر الخبراء من أن السعي وراء الشهرة الرقمية قد يدفع بعض البالغين إلى تجاوز حدود المسؤولية الأبوية، وتحويل الطفل إلى “مادة محتوى” بدلاً من كونه فرداً يحتاج إلى الحماية والرعاية، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج نفسية واجتماعية سلبية.

وفي المقابل، تتصاعد الدعوات إلى وضع ضوابط قانونية وأخلاقية واضحة تنظم ظهور الأطفال على الإنترنت، بما يضمن حماية خصوصيتهم، وصون كرامتهم، ومنع أي استغلال تجاري أو إعلامي قد يضر بمصالحهم الفضلى.

وبين حرية التعبير الرقمية وضرورة حماية الطفولة، يظل التحدي قائماً أمام المجتمعات الحديثة لإيجاد توازن يحفظ حقوق الأطفال، ويمنع تحويل حياتهم الخاصة إلى مادة استهلاك جماهيري في فضاء افتراضي لا يعترف دائماً بالحدود.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاثنين 15 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن