لوديجي ستوديو
حكاية وحرفة : الحلايقي.. مؤثر قبل السوشيال ميديا.. ومفكر قبل السياسيين..
في زمنٍ يلهث فيه الجميع وراء “المحتوى السريع”، يعيد هذا الفيديو الاعتبار إلى فن مغربي عتيق وحديث في الوقت نفسه: الحلايقي. ليس مجرد حكّاء يكرر أرشيفاً شفوياً، بل مؤدٍّ اجتماعي يقرأ الوجوه قبل أن يقرأ الحكايات، ويصنع وعياً جماعياً من مادة تبدو للوهلة الأولى تسليةً شعبية. الفكرة المركزية التي يشتغل عليها الحوار واضحة: الحكاية في الحلقة ليست نصاً… بل حدثاً.
منذ الدقائق الأولى، يصرّ الضيف على أن الحلايقي يشتغل بما يشبه “أدوات المسرح” قبل أن يتعلم المسرح: نبرة الصوت، الإيقاع، تبديل الضمائر، إشراك الجمهور، والغمز الذي يمرّ “بين السطور”. المعنى لا يُسلَّم كاملاً؛ يُوزَّع بذكاء، حتى لا يتحول الكلام إلى “اتهام مباشر” في مجتمع يعرف كيف يعاقب من يصرّح أكثر مما ينبغي. وهنا جوهر القوة: الحلايقي يمارس السياسة بلا خطاب سياسي، ويُمرّر التوعية بلا وعظ ثقيل.
يستدعي الفيديو شخصية “خليفة” كنموذج حيّ للحلايقي الذي عاش المجتمع وتكلّم بلسانه. خليفة ليس مجرد فنان شعبي؛ هو مرآة لمرحلة كاملة: دعاء للعرب في زمن الحروب، حديث عن الفقر بلا بكائيات، وتعبير عن “الراكد الوطني” ـ ذلك الإحساس بأن شيئاً ما عالق داخل المجتمع: فقرٌ مدقع، عيد بلا خروف، وبهجة بلا وسائل. لكنه يروي ذلك بصنعة تجعل الضحك يسبق الألم، ثم يلحقه الفهم. الفرجة هنا ليست هروباً من الواقع، بل طريقة شعبية للاحتمال ولفهم الذات.
المقطع الذي يتناول التكافل الاجتماعي في الستينات والسبعينات يشتغل كجرس إنذار ناعم: كان الغني يُعير داره للفرح، والناس “يتشابهون” في اللباس والجو العام، وكأن الحلقة كانت فضاءً لإلغاء الفوارق ولو مؤقتاً. ليست نوستالجيا ساذجة، بل مقارنة تلمّح إلى أننا خسرنا شيئاً من “اللحمة” لصالح الاستعراض الفردي. الحلايقي، في هذا السياق، ليس راوياً فقط، بل مؤرخاً للعلاقات الاجتماعية: كيف كنا نعيش معاً؟ وكيف صرنا؟
ثم تأتي واحدة من أجمل نقاط الفيديو: فكرة أن الحلايقي يكسر “الجدار الرابع” قبل بريخت، لأن الحلقة مبنية أصلاً على التفاعل. الجمهور ليس متفرجاً صامتاً؛ هو طرف في صناعة الحكاية. كلمة “هزّو يدّكم” ليست تفصيلاً؛ إنها إعلان أن المعنى يُصنع جماعياً. وهذا ما يفسر أيضاً لماذا لا تُروى الحكاية بالطريقة نفسها مرتين: لأن الجمهور يتغير، والمكان يتغير، والظرف يتغير، والذاكرة تخون… والأهم: لأن الحكاية كائن حي يتأثر ويؤثر.
الجزء المتعلق بالنسيان والتدوين يضع إصبعه على مشكلة معرفية كبيرة: الشفهي وحده لا يصنع تراكمًا علميًا. “العلم صيد والكتابة قيده” ليست عبارة مزخرفة؛ إنها درس في الحضارة. الحكاية الشفهية تُنتج وعياً لحظياً، أما التدوين فيصنع ذاكرة جماعية قابلة للبناء والنقد والتطوير. وهنا يلمّح الفيديو إلى مفارقة مغربية مؤلمة: نملك كنزاً رمزياً ضخماً، لكننا لا نستثمره بما يكفي في السينما، المسرح، والكتابة الحديثة.
ولأن الحلقة لا تنتهي عند التراث، يذهب الحوار إلى منطقة أكثر حساسية: الكلمة كسلاح. عبر اللعب اللغوي (كلم/لكم/ملك)، يشرح الضيف كيف يمكن للكلام أن يجرح ويُخضع ويُسكت، وكيف يمكن لنبرة واحدة أن تقلب المعنى من مدح إلى قدح. لذلك كان الحلايقي واعياً بما يقول وكيف يقوله: ليس خوفاً فقط، بل لأن الكلمة إذا خرجت من فمها لا تعود ملكك.
في النهاية، ينجح الفيديو في تقديم الحلايقي كمدرسة كاملة: مدرسة في التواصل، في قراءة المجتمع، في إدارة الجمهور، وفي تحويل الضحك إلى تربية غير مباشرة. الرسالة الأعمق: تراث الحلقة ليس ماضياً نزيّنه في المناسبات، بل تقنية مغربية لفهم الإنسان وإعادة وصل المجتمع بنفسه. والرهان اليوم ليس أن “نحنفظ” الحكايات فقط، بل أن نعيد توظيفها في الفنون الحديثة، وفي التعليم، وفي خطابنا العام… دون أن نفرّغها من روحها.
الخميس 5 مارس 2026
في نفس الركن
{{#item}}
{{/item}}
{{/items}}