لوديجي ستوديو
توبة - العودة إلى الله : حين تهزمك خطاياك… هل تُنقذك التوبة ؟
في الحلقة الثانية من البرنامج الرمضاني «العودة إلى الله»، اختار الضيف أن يفتح بابًا يظنه كثيرون ضيّقًا، بينما يراه النصّ الإسلامي واسعًا على اتساع الرجاء: باب التوبة. ليست التوبة هنا وعظًا عابرًا ولا “جرعة روحانية” موسمية، بل فكرة مركزية تُقدَّم بوصفها معنى تربويًا وأخلاقيًا يخصّ الفرد والمجتمع معًا: كيف يعود الإنسان إلى الله؟ وكيف يعود إلى نفسه بعد أن يُثقلها بالخطأ؟
ينطلق الحديث من صيغة رحيمة في الحديث القدسي، يخاطب فيها الله عبده بخطاب مباشر يطمئن ولا يفضح، ويؤسس لمبدأ شديد البساطة وشديد الصعوبة في آن: الرجوع ممكن، مهما بلغ حجم الذنب، بشرط واحد حاسم هو الصدق. فليس الاستغفار كلمات تتكرر باللسان بينما الجوارح على عادتها؛ ولا هو “مخرج طوارئ” يفعّله الإنسان كلما عاد للخطأ. الرسالة التي تتكرر في الحلقة أن الله “لا ينظر إلى الأشكال” بقدر ما ينظر إلى القلب والعمل: هل هناك نية حقيقية للتغيير؟ هل هناك مقاومة جدّية للعودة إلى نفس المسار؟
ولكي لا يبقى الكلام في مستوى التجريد، تُستحضر القصة المشهورة لرجل من بني إسرائيل قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم بحث عن التوبة. ذهب أولًا إلى عابدٍ أجابه بجواب قاطع: لا توبة لك. لم يكن الجواب مجرد فتوى، بل كان حكمًا بالإغلاق واليأس… فزاد الرجل جريمة إلى جرائمه وأكمل المئة. هنا تظهر نقطة تربوية حساسة تُلمّح إليها الحلقة بوضوح: الكلام في الدين بلا علم قد يكون مدمّرًا. الفرق بين “العابد” و“العالم” ليس لقبًا، بل وظيفة: الأول قد يخلص في عبادته، لكن الثاني يمتلك أدوات الفهم والميزان، ويعرف كيف يُنزل النص على الواقع دون قسوة قاتلة.
قاتلُ المئة: قصة تُثبت أن رحمة الله لا تُحدّ
حين قصد الرجل عالمًا، جاءه الجواب مختلفًا جذريًا: التوبة ممكنة. لكن العالم وضع شرطًا عمليًا لا وعظيًا: اخرج من أرض الفساد إلى أرض الصلاح. كأن الحلقة تقول إن التوبة ليست فقط “ندمًا”، بل قرار تغيير البيئة التي تُعيد إنتاج الذنب. فالإنسان قد يضعف حين يبقى داخل نفس الدائرة: نفس الصحبة، نفس الإغراءات، نفس الإيقاع الذي يدفعه إلى السقوط.
يتوفى الرجل في الطريق قبل أن يصل. وتأتي اللحظة التي تلخص فلسفة الحلقة: اختلاف الملائكة عليه بين الرحمة والعذاب، ثم الحكم بقياس المسافة: إلى أي أرض كان أقرب؟ وفي النهاية تتجلّى رحمة الله بصورة لافتة، حين تُقرَّب أرض الصلاح ويُبعد جانب الفساد، فيُكتب الرجل من أهل الرحمة. ليست القصة إذن “ترخيصًا للجريمة”، بل رسالة قوية ضد اليأس: باب الرجوع لا يُغلق على من صدق.
ومن التوبة ينتقل النقاش إلى شبهة تتكرر اليوم، خصوصًا لدى الشباب: هل الإسلام “يمحو الفرد” ويصهره في جماعة؟ الرد الذي تقدمه الحلقة واضح: الإسلام يحترم الخصوصية والتفرد، لكنه يضع قواعد حافظة للمجتمع. ثم تأتي المقارنة مع الغرب أخلاقيًا، لا بوصفها شماتة، بل كفكرة نقدية: حين تنهار المعايير وتصبح الحرية بلا ضابط، يدفع المجتمع ثمنًا باهظًا. وفي قلب هذا كله يبرز معنى قرآني حاسم: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. الإصلاح يبدأ من الداخل، ثم يفيض أثره على الخارج.
في النهاية، تبدو الحلقة كأنها تقول للمشاهد: لا تخف من السؤال، ولا تخف من الشك إذا كان طريقًا للبحث الصادق. لكن لا تجعل أسئلتك رهينة أجوبة مرتجلة. اطلب المعرفة من أهلها… لأن التوبة، كما تُقدَّم هنا، ليست هروبًا من الحقيقة، بل عودة شجاعة إليها.
الجمعة 27 فبراير 2026
في نفس الركن
{{#item}}
{{/item}}
{{/items}}