بين الوعي والمشاركة
في مداخلته، حذّر نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، من مفارقة دقيقة تحمل أبعاداً استراتيجية: “تكوين شباب بدون روح نقدية يفتح الباب أمام التلاعب، لكن تكوين شباب نقدي دون فتح فضاءات حقيقية للمشاركة يؤدي إلى الإحباط والقطيعة”.
هذا الطرح يضعنا أمام معادلة متلازمة: لا معنى لتنمية التفكير النقدي إذا ظل الفضاء العام مغلقاً، كما لا جدوى من إشراك شباب لم يُمكَّنوا من أدوات الفهم والتحليل.
أزمة ثقة تراكمية
إن مظاهر العزوف أو اللامبالاة التي يبديها جزء من الشباب تجاه المؤسسات ليست طارئة ولا عشوائية، بل هي نتيجة تراكمات مرتبطة بتجارب معيشة: توجيه دراسي مفروض، شهادات غير مُمَكِّنة، صعوبات في الولوج إلى شغل لائق، وإحساس مستمر بعدم الإصغاء.
المعطيات التي عُرضت خلال هذا اللقاء أبرزت ترابطاً واضحاً بين الهدر المدرسي أو وضعية “لا دراسة ولا عمل” وبين ضعف الانخراط المدني. فعندما لا تُنظر إلى المدرسة كفضاء للتحرر الاجتماعي، وعندما يبدو المجال العمومي مغلقاً، تتحول المواطنة إلى مفهوم نظري فاقد لجاذبيته.
التفكير النقدي ككفاية مركزية
في عالم تتكاثر فيه الأخبار الزائفة، وتتسارع فيه تقنيات التأثير الرقمي، يصبح التفكير النقدي كفاية أساسية من كفايات القرن الحادي والعشرين. والمقصود هنا ليس التشكيك العدمي، بل القدرة على التمييز بين الخبر والرأي، وفهم آليات التضليل، وممارسة الشك المنهجي دون السقوط في السلبية أو القطيعة.
غير أن ترسيخ هذه الكفاية يقتضي مراجعة المقاربات البيداغوجية التقليدية التي ما تزال تركّز على الحفظ والاسترجاع أكثر من التحليل والنقاش. كما يقتضي، في المقابل، تمكين الشباب من فضاءات فعلية لتصريف هذا الوعي في قنوات مؤسساتية.
المواطنة الرقمية ومسؤوليات جديدة
لم يعد الحديث عن المواطنة مقتصراً على الفضاء الفيزيائي. فالشباب اليوم فاعلون أساسيون في المجال الرقمي، حيث تتقاطع قضايا حماية المعطيات الشخصية، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ومحاربة خطاب الكراهية، والتصدي للتحرش الإلكتروني.
إن إدماج التربية على المواطنة الرقمية ضمن المناهج التعليمية لا يحصّن الشباب فقط من مخاطر الاستقطاب والتطرف، بل يحول التكنولوجيا إلى أداة مشاركة ومسؤولية. أما تجاهل هذا البعد، فيعني ترك المجال مفتوحاً أمام ديناميات قد تُضعف التماسك الاجتماعي.
من المشاركة الرمزية إلى المشاركة المؤثرة
أحد المحاور الحساسة التي نوقشت تمثل في ضرورة الانتقال من الاستشارة الشكلية إلى الإشراك الفعلي في اتخاذ القرار. فالمنتديات الخطابية أو اللقاءات الظرفية لم تعد كافية لإقناع جيل يتابع ويحلل ويقارن.
وقد طُرحت مقترحات عملية، من قبيل تفعيل آليات الميزانيات التشاركية، وتبسيط مساطر تقديم العرائض، وإتاحة لوحات قيادة عمومية تُمكّن من تتبع السياسات العمومية، إضافة إلى مناقشة آليات تمثيلية تضمن حضوراً أقوى للشباب داخل المؤسسات المنتخبة، باعتبارها إجراءات انتقالية لمعالجة اختلالات قائمة.
الشفافية كشرط لإعادة بناء الثقة
إن تكوين مواطن نقدي يستدعي، في المقابل، مؤسسات شفافة وخاضعة للمساءلة. فالولوج إلى المعلومات، وتدبير الميزانيات وفق منطق النتائج، وتعزيز آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة، ليست شعارات أخلاقية فحسب، بل شروطاً عملية لاستعادة الثقة.
بالنسبة لكثير من الشباب، ما تزال السياسة مرتبطة بصورة الغموض والإفلات من العقاب. لذلك فإن تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد وإعادة الاعتبار لمبدأ الاستحقاق تشكل مدخلاً ضرورياً لإعادة دمجهم في الفعل العمومي.
نحو مواطنة فاعلة ومتوازنة
خلاصة النقاشات تؤكد أن المواطنة لا تُدرَّس في الكتب وحدها، بل تُبنى عبر التجربة والمشاركة والاعتراف. فإعطاء الحقوق دون تمكين يخلق إحباطاً، والتمكين دون مساءلة يفضي إلى الاتكالية. المطلوب إذن هو توازن دقيق بين الوعي والمسؤولية، بين النقد والمشاركة.
إن فتح الفضاء العام أمام شباب واعٍ ومتصل بالعالم يتطلب استعداداً لقبول النقاش والاختلاف وربما النقد الحاد. لكنه في المقابل يشكل استثماراً استراتيجياً في استقرار طويل الأمد وتماسك وطني متين.
تكوين مواطنين نقديين وفتح المجال أمامهم للمساهمة في القرار ليس مخاطرة سياسية، بل ضرورة وطنية لضمان مستقبل ديمقراطي أكثر نضجاً للمغرب.
في مداخلته، حذّر نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، من مفارقة دقيقة تحمل أبعاداً استراتيجية: “تكوين شباب بدون روح نقدية يفتح الباب أمام التلاعب، لكن تكوين شباب نقدي دون فتح فضاءات حقيقية للمشاركة يؤدي إلى الإحباط والقطيعة”.
هذا الطرح يضعنا أمام معادلة متلازمة: لا معنى لتنمية التفكير النقدي إذا ظل الفضاء العام مغلقاً، كما لا جدوى من إشراك شباب لم يُمكَّنوا من أدوات الفهم والتحليل.
أزمة ثقة تراكمية
إن مظاهر العزوف أو اللامبالاة التي يبديها جزء من الشباب تجاه المؤسسات ليست طارئة ولا عشوائية، بل هي نتيجة تراكمات مرتبطة بتجارب معيشة: توجيه دراسي مفروض، شهادات غير مُمَكِّنة، صعوبات في الولوج إلى شغل لائق، وإحساس مستمر بعدم الإصغاء.
المعطيات التي عُرضت خلال هذا اللقاء أبرزت ترابطاً واضحاً بين الهدر المدرسي أو وضعية “لا دراسة ولا عمل” وبين ضعف الانخراط المدني. فعندما لا تُنظر إلى المدرسة كفضاء للتحرر الاجتماعي، وعندما يبدو المجال العمومي مغلقاً، تتحول المواطنة إلى مفهوم نظري فاقد لجاذبيته.
التفكير النقدي ككفاية مركزية
في عالم تتكاثر فيه الأخبار الزائفة، وتتسارع فيه تقنيات التأثير الرقمي، يصبح التفكير النقدي كفاية أساسية من كفايات القرن الحادي والعشرين. والمقصود هنا ليس التشكيك العدمي، بل القدرة على التمييز بين الخبر والرأي، وفهم آليات التضليل، وممارسة الشك المنهجي دون السقوط في السلبية أو القطيعة.
غير أن ترسيخ هذه الكفاية يقتضي مراجعة المقاربات البيداغوجية التقليدية التي ما تزال تركّز على الحفظ والاسترجاع أكثر من التحليل والنقاش. كما يقتضي، في المقابل، تمكين الشباب من فضاءات فعلية لتصريف هذا الوعي في قنوات مؤسساتية.
المواطنة الرقمية ومسؤوليات جديدة
لم يعد الحديث عن المواطنة مقتصراً على الفضاء الفيزيائي. فالشباب اليوم فاعلون أساسيون في المجال الرقمي، حيث تتقاطع قضايا حماية المعطيات الشخصية، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ومحاربة خطاب الكراهية، والتصدي للتحرش الإلكتروني.
إن إدماج التربية على المواطنة الرقمية ضمن المناهج التعليمية لا يحصّن الشباب فقط من مخاطر الاستقطاب والتطرف، بل يحول التكنولوجيا إلى أداة مشاركة ومسؤولية. أما تجاهل هذا البعد، فيعني ترك المجال مفتوحاً أمام ديناميات قد تُضعف التماسك الاجتماعي.
من المشاركة الرمزية إلى المشاركة المؤثرة
أحد المحاور الحساسة التي نوقشت تمثل في ضرورة الانتقال من الاستشارة الشكلية إلى الإشراك الفعلي في اتخاذ القرار. فالمنتديات الخطابية أو اللقاءات الظرفية لم تعد كافية لإقناع جيل يتابع ويحلل ويقارن.
وقد طُرحت مقترحات عملية، من قبيل تفعيل آليات الميزانيات التشاركية، وتبسيط مساطر تقديم العرائض، وإتاحة لوحات قيادة عمومية تُمكّن من تتبع السياسات العمومية، إضافة إلى مناقشة آليات تمثيلية تضمن حضوراً أقوى للشباب داخل المؤسسات المنتخبة، باعتبارها إجراءات انتقالية لمعالجة اختلالات قائمة.
الشفافية كشرط لإعادة بناء الثقة
إن تكوين مواطن نقدي يستدعي، في المقابل، مؤسسات شفافة وخاضعة للمساءلة. فالولوج إلى المعلومات، وتدبير الميزانيات وفق منطق النتائج، وتعزيز آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة، ليست شعارات أخلاقية فحسب، بل شروطاً عملية لاستعادة الثقة.
بالنسبة لكثير من الشباب، ما تزال السياسة مرتبطة بصورة الغموض والإفلات من العقاب. لذلك فإن تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد وإعادة الاعتبار لمبدأ الاستحقاق تشكل مدخلاً ضرورياً لإعادة دمجهم في الفعل العمومي.
نحو مواطنة فاعلة ومتوازنة
خلاصة النقاشات تؤكد أن المواطنة لا تُدرَّس في الكتب وحدها، بل تُبنى عبر التجربة والمشاركة والاعتراف. فإعطاء الحقوق دون تمكين يخلق إحباطاً، والتمكين دون مساءلة يفضي إلى الاتكالية. المطلوب إذن هو توازن دقيق بين الوعي والمسؤولية، بين النقد والمشاركة.
إن فتح الفضاء العام أمام شباب واعٍ ومتصل بالعالم يتطلب استعداداً لقبول النقاش والاختلاف وربما النقد الحاد. لكنه في المقابل يشكل استثماراً استراتيجياً في استقرار طويل الأمد وتماسك وطني متين.
تكوين مواطنين نقديين وفتح المجال أمامهم للمساهمة في القرار ليس مخاطرة سياسية، بل ضرورة وطنية لضمان مستقبل ديمقراطي أكثر نضجاً للمغرب.
This browser does not support the video element.