حياتنا

تزامن موجات الحر وتلوث الهواء بالمغرب يفاقم المخاطر الصحية ويستدعي تعزيز إجراءات الوقاية


أصبحت موجات الحر الشديدة أكثر تواتراً وحدّة في المغرب بفعل التغيرات المناخية، غير أن الخطر يتضاعف عندما تتزامن هذه الظاهرة مع ارتفاع مستويات تلوث الهواء، وهو ما يشكل تحدياً متزايداً أمام الصحة العامة، وفق ما يؤكده الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية.



وأوضح الخبير أن الحرارة المرتفعة وتلوث الهواء لا يمثلان عاملين منفصلين، بل يؤدي اجتماعهما إلى تأثيرات صحية متراكمة قد تكون خطيرة، إذ يبذل الجسم خلال فترات الحر الشديد مجهوداً كبيراً للحفاظ على درجة حرارته الطبيعية، من خلال زيادة تدفق الدم إلى الجلد وارتفاع معدل التعرق، الأمر الذي يرهق الجهاز القلبي الوعائي ويزيد من خطر الإصابة بالجفاف.

وفي المقابل، تؤدي الملوثات الهوائية، وعلى رأسها الجسيمات الدقيقة وثاني أكسيد النيتروجين والأوزون الأرضي، إلى تهيج الجهاز التنفسي وإحداث التهابات تؤثر أيضاً في القلب والأوعية الدموية، بينما تسهم درجات الحرارة المرتفعة في زيادة تكوّن الأوزون عند مستوى سطح الأرض، وهو من أكثر الملوثات تأثيراً على صحة الإنسان.

وأشار الدكتور حمضي إلى أن هذا التداخل قد يؤدي إلى تفاقم أمراض الجهاز التنفسي، مثل الربو وداء الانسداد الرئوي المزمن، كما يرفع من احتمالات الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة.

وتشمل هذه الفئات كبار السن، الذين تتراجع لديهم القدرة على تنظيم حرارة الجسم ويقل شعورهم بالعطش، إضافة إلى الرضع والأطفال الصغار، والنساء الحوامل، والمصابين بالأمراض المزمنة، سواء التنفسية أو القلبية أو الكلوية أو الاستقلابية، وعلى رأسها داء السكري. كما يظل العاملون في الأماكن المفتوحة، والرياضيون، وسكان المساكن ضعيفة العزل الحراري، من بين الفئات الأكثر عرضة لهذه المخاطر.

وأكد الخبير أن حتى الأشخاص الأصحاء قد يتأثرون بهذه الظروف، خاصة عند ممارسة مجهود بدني في أوقات الحر، حيث يؤدي ارتفاع وتيرة التنفس إلى استنشاق كميات أكبر من الملوثات، بما قد ينعكس سلباً على الصحة.

ومن بين العلامات الأولية التي تستوجب الانتباه، أشار إلى الصداع، والإرهاق غير المعتاد، والدوخة، والغثيان، والتشنجات العضلية، والعطش الشديد، فضلاً عن السعال المستمر، وضيق الصدر، وصعوبة التنفس. أما في الحالات الخطيرة، فقد تظهر أعراض مثل فقدان الوعي، وارتفاع شديد في حرارة الجسم، وآلام في الصدر، أو ضيق حاد في التنفس، وهي حالات تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً.

وفي ما يتعلق بالإجراءات الوقائية، دعا الدكتور حمضي إلى تجنب الأنشطة البدنية المكثفة خلال ساعات الذروة، وتفضيل الخروج في الصباح الباكر أو بعد غروب الشمس، مع متابعة النشرات الجوية ومؤشرات جودة الهواء عند توفرها. كما شدد على أهمية الإكثار من شرب الماء، وارتداء ملابس خفيفة، وحماية الرأس من أشعة الشمس، والابتعاد عن الطرق ذات الكثافة المرورية العالية أثناء فترات ارتفاع التلوث.

كما أوصى بالحفاظ على برودة المنازل عبر إغلاق النوافذ والستائر خلال النهار وتهويتها ليلاً، مع الحرص على متابعة أوضاع كبار السن والأشخاص المرضى أو الذين يعيشون بمفردهم.

وأكد أن المصابين بالأمراض المزمنة ينبغي أن يواصلوا علاجاتهم وفق توجيهات الأطباء، دون تعديل الجرعات أو إيقافها من تلقاء أنفسهم. كما دعا مرضى الربو إلى حمل أدوية الإسعاف الخاصة بهم، ومرضى السكري إلى مراقبة مستويات السكر في الدم بشكل متكرر وحفظ الأنسولين في درجات حرارة مناسبة، فيما يتعين على مرضى قصور القلب الالتزام بتوصيات الطبيب بشأن كمية السوائل.

واعتبر الدكتور الطيب حمضي أن تزايد موجات الحر يفرض إعادة النظر في سياسات الصحة العامة، من خلال تطوير أنظمة إنذار مبكر تجمع بين بيانات الطقس وجودة الهواء، وتحديد الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، إلى جانب تعزيز جاهزية المؤسسات الصحية لاستقبال الحالات المرتبطة بالإجهاد الحراري.

كما دعا إلى تكييف البنيات الاستشفائية مع التغيرات المناخية، عبر توفير أنظمة التبريد وإحداث فضاءات مهيأة لاستقبال الحالات المتأثرة بالحر، مبرزاً أن الوفيات المرتبطة بموجات الحر قد تكون أعلى من الأرقام المعلنة. واستحضر في هذا السياق تسجيل 21 حالة وفاة خلال 24 ساعة بالمستشفى الجهوي ببني ملال أثناء موجة الحر التي عرفها المغرب في يوليوز 2024، فضلاً عن نتائج دراسة "Mohammédia Airpol" التي أظهرت أن ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكبريت يرفع نوبات الربو لدى الأطفال بنسبة 41.3 في المائة، ويزيد من حالات السعال الليلي بنسبة 53.9 في المائة.

وختم الخبير بالتأكيد على أن مواجهة التداعيات الصحية للتغير المناخي تتطلب اعتماد رؤية شاملة تقوم على تحسين جودة الهواء، وتوسيع المساحات الخضراء، وتهيئة المدن وظروف العمل بما يتلاءم مع ارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب تكثيف حملات التوعية والتحسيس قبل وخلال فصل الصيف، حمايةً لصحة المواطنين وتعزيزاً لقدرة المنظومة الصحية على مواجهة التحديات المناخية المتزايدة.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الخميس 23 يوليو/جويلية 2026
في نفس الركن