كتاب الرأي

تجديد النخب : ضرورة سياسية أم اقتصادية؟


غالبًا ما يُنظر إلى تجديد النخب على أنه مطلب للجيل الجديد، وأحيانًا يُختزل في صراع الأجيال أو في رمزيته الشكلية. لكن الحقيقة أن الأمر يتجاوز الرمزية ليصبح تحديًا اقتصاديًا حقيقيًا. فميثاق 11 يناير للشباب، بدعوته الشباب إلى التمكين السياسي وإتاحة الفرص لتولي المسؤوليات الانتخابية، يطرح سؤالًا واضحًا ومحيرًا في الوقت نفسه : هل يمكن قيادة اقتصاد سريع التغير بنخب لا تتجدد؟



تشكل القرارات العمومية الاقتصاد : الاستثمار، الضرائب، التعليم، التشغيل، والابتكار. وعندما تُتخذ هذه القرارات داخل دوائر مغلقة، قليلة الاتصال بالتحولات الاجتماعية، فإنها تميل إلى إعادة إنتاج أنماط قديمة. هذا الاختلاف ليس أيديولوجيًا، بل عمليا. النخبة التي لا تتجدد تنتهي بها الحال إلى قراءة زمنها بشكل خاطئ.

من منظور اقتصادي صرف، التكلفة واضحة. السياسات العمومية المصممة دون دمج للاستخدامات الرقمية، أو أشكال العمل الجديدة، أو توقعات الشباب، تنتج أنظمة جامدة، غير فعالة وسريعة التقادم. ويصبح الابتكار المؤسسي أبطأ من الابتكار الاجتماعي، مما يخلق تأخرًا هيكليًا.

تجديد النخب لا يعني إقصاء الخبرة. الأمر يتعلق بخلق فضاءات للتعايش بين الأجيال، حيث تلتقي الخبرة المكتسبة بفهم الاستخدامات الجديدة. الاقتصادات الأكثر أداءً هي التي تنظم هذه العملية من أجل نقل المعرفة، بدل تثبيت مواقع السلطة.
 

الشباب المغربي يواجه يوميًا هذه التحولات. المنصات الرقمية، الاقتصاد غير المهيكل الهجين، ريادة الأعمال المقيدة، وهجرة الكفاءات؛ كل ذلك يجعلهم يعيشون في عالم لم يعرفه كثير من صناع القرار إلا متأخرًا أو ربما لم يعرفوه على الإطلاق. إقصاؤهم المستمر من مراكز القرار يعني فقدان قراءة دقيقة للواقع الاقتصادي.

 

على الصعيد السياسي، يظل وصول الشباب إلى المناصب الانتخابية محدودًا بسبب حواجز رسمية وغير رسمية : طرق اختيار داخلية، تكاليف الحملات، وشبكات مغلقة. هذا الوضع يغذي شعورًا بالاحتكار، يُنظر إليه كإجحاف هيكلي. على المدى الطويل، يتحول هذا الشعور إلى انسحاب مدني واقتصادي.
 

من منظور ماكرة اقتصادي، غياب التجديد يضعف القدرة على التوقع. السياسات العمومية تكتفي بإدارة الواقع القائم دون التحضير للتغيرات المستقبلية. وفي ظل التحولات الديموغرافية والتكنولوجية، يصبح التوقع عاملاً أساسيًا للثبات والنمو.

 

يقترح ميثاق 11 يناير ضمنيًا تغييرًا ثقافيًا : النظر إلى وصول الشباب للمناصب ليس كتنازل، بل كاستثمار. تدريب الشباب على اتخاذ القرارات العامة، وإدماجهم تدريجيًا في دوائر السلطة، هو إعداد لحكامة أكثر مرونة ومصداقية.


هناك أيضًا مسألة الثقة. الشباب الذي يجد نفسه ممثلًا في المسؤولين يكون أكثر استعدادًا لقبول الإصلاحات، حتى لو كانت تتطلب جهودًا. على العكس، النظام المغلق يُغذي الشكوك، والعمل غير الرسمي، وأحيانًا التطرف، وكلها مخاطر على الاستقرار الاقتصادي.

 

 

 





الخميس 15 يناير 2026

في نفس الركن
< >

الاربعاء 14 يناير 2026 - 08:54 تكتمل مغربيتي بأمازيغيتي

الثلاثاء 13 يناير 2026 - 13:36 سلسلة مغرب الحضارة


              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic