حياتنا

بين “شعار الإصلاح” وواقع الاقتطاع الإجباري… من يحمي التلميذ المغربي من عبث التأمين المدرسي؟


بينما ترفع وزارة التربية الوطنية لواء “الجودة” و”الإصلاح”، تظل ملفات ثقيلة تُدار في الظل، من أبرزها ملف التأمين المدرسي الذي تحوّل، في نظر كثيرين، إلى نزيف صامت لجيوب الأسر المغربية. فخلف الرقم البسيط الذي يبدو زهيداً في ظاهره – 12 درهماً سنوياً عن كل تلميذ في التعليم العمومي – تختبئ معادلة مالية ضخمة عنوانها ملايين التلاميذ وملايير السنتيمات المتدفقة سنوياً نحو شركة واحدة، في مشهد يثير أكثر من علامة استفهام.



الملايير تُجمع… والتعويضات تُهين

بعملية حسابية أولية، نحن أمام ما يقارب سبعة ملايين تلميذ في القطاع العمومي. وإذا أضفنا تلامذة التعليم الخاص، حيث تصل واجبات التأمين في بعض المؤسسات إلى مبالغ مرتفعة جداً، فإن الكتلة المالية السنوية تصبح ضخمة بشكل لافت.

لكن الإشكال لا يكمن في مبدأ التأمين في حد ذاته، بل في الفجوة الصادمة بين حجم الأموال المجموعة وسقف التعويضات الممنوحة. ففي حالات حوادث مدرسية – من كسور وجروح وحالات إغماء – يُفاجأ أولياء الأمور بتعويضات توصف بالهزيلة، لا تتجاوز أحياناً 100 أو 150 درهماً بدعوى “العجز المؤقت”. مبلغ لا يغطي حتى مصاريف التنقل أو الفحوصات الأولية، فكيف بكلفة العلاج أو الأشعة أو الأدوية؟

هنا يتحول التأمين من آلية حماية اجتماعية إلى إجراء شكلي، يُشعر الأسرة بأن ابنها ليس سوى رقم في معادلة حسابية، لا قيمة فعلية لسلامته الجسدية في ميزان التعويض.

الإدارة التربوية بين المطرقة والسندان

المفارقة الأكثر إيلاماً أن مديري المؤسسات والمقتصدين يجدون أنفسهم في الواجهة. فبتعليمات إدارية صارمة، يُطلب منهم تحصيل واجبات التأمين من الأسر، ما يحولهم – رغماً عنهم – إلى جُباة لصالح شركة خاصة.

وعند وقوع حادث، يكونون أول من يواجه غضب الآباء ومرارة الأسئلة: كيف يُبرر مدير لمواطن بسيط أن تعويض كسر في يد ابنه لا يتجاوز بضع عشرات من الدراهم؟ كيف يقنعه أن هذا هو “السقف القانوني”؟

إنها وضعية أخلاقية محرجة تضع الإدارة في مواجهة مباشرة مع المجتمع، بينما تبقى الشركة المستفيدة بعيدة عن أي مساءلة مجتمعية حقيقية.

احتكار يثير الشبهات

يتساءل كثيرون: لماذا تستفيد الشركة نفسها، لسنوات طويلة، من هذه الصفقة الوطنية الضخمة؟ وأين هي المنافسة؟ وأين مبدأ طلب العروض المفتوح بشفافية كاملة؟

حين تتحول صفقة بملايير السنتيمات إلى “زواج دائم” بين الوزارة ومؤسسة واحدة، يصبح السؤال مشروعاً. فالتأمين المدرسي ليس خدمة ثانوية، بل عقد اجتماعي لحماية ملايين الأطفال. وأي احتكار طويل الأمد دون تقييم دوري للجدوى والتكلفة يُفقد المنظومة روح الشفافية ويغذي الشكوك.

قانون تجاوزه الزمن

الشق الآخر من الإشكال يرتبط بالإطار القانوني المؤطر للحوادث المدرسية. كثير من النصوص المنظمة تعود إلى سنوات بعيدة، ولم تُراجع بما يتلاءم مع تضخم تكاليف العلاج ولا مع التحولات التي شهدها المجتمع المغربي.

كيف يمكن تقييم ضرر جسدي سنة 2026 بمعايير مالية وقانونية وُضعت في سياق اقتصادي مختلف تماماً؟ إن التمسك بنصوص متقادمة يمنح شركات التأمين غطاءً قانونياً لتقديم تعويضات لا تعكس الواقع الصحي والاقتصادي الحالي.

نحو ثورة تشريعية وإنصاف حقيقي

إن حماية التلميذ ليست شعاراً يُرفع في الندوات، بل التزاماً مالياً وتشريعياً وأخلاقياً. المطلوب اليوم ليس إلغاء التأمين المدرسي، بل إصلاحه جذرياً عبر:

مراجعة دفاتر التحملات ورفع سقف التعويضات بما يتناسب مع تكاليف العلاج الفعلية.

فتح باب المنافسة الشفافة بين شركات التأمين لضمان أفضل عرض من حيث السعر والخدمة.

نشر تقارير سنوية توضح حجم المبالغ المجموعة وعدد الحوادث المعالجة وقيمة التعويضات المصروفة.

تحديث الترسانة القانونية لتواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

إن كرامة التلميذ المغربي لا تُقاس ببضع دراهم، وحق الأسرة في تأمين عادل ليس منّة إدارية بل واجب مؤسساتي. وعلى وزارة التربية الوطنية أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية في وضع حد لأي اختلال يمس الثقة بين المدرسة والمجتمع.

فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالشعارات، بل بإغلاق الثقوب السوداء التي تبتلع أموال الفقراء باسم “الحماية”.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الأربعاء 18 فبراير 2026
في نفس الركن