أخبار بلا حدود

بين الشرق الليبي وواشنطن: تحولات عسكرية ترسم ملامح توازنات جديدة في المنطقة


يبدو أن المشهد الليبي يدخل مرحلة مختلفة من إعادة التموضع الدولي، عنوانها الأبرز عودة الحضور الأمريكي بصيغة أكثر وضوحاً. فالإعلان عن تنسيق ومناورات عسكرية في الشرق الليبي، يقودها مسعد بولس، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأحد المقربين من دوائر القرار في واشنطن، مع قوات المشير خليفة حفتر، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد نشاط ميداني عابر، بل كمؤشر على تحولات أعمق في طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع الملف الليبي.



من الوساطة إلى الحسم الميداني

لسنوات، ظل الملف الليبي ساحة لتجاذبات إقليمية ودولية، حيث تنافست أطراف متعددة على لعب دور الوسيط أو الراعي السياسي. غير أن أي انخراط أمريكي مباشر عبر قنوات ذات صلة بالدائرة القريبة من ترامب يوحي بأن واشنطن قد تميل إلى مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على تثبيت توازنات ميدانية واضحة بدل الاكتفاء بالتصريحات الدبلوماسية.

التنسيق مع حفتر، الذي يسيطر على مناطق واسعة من شرق ليبيا، يعكس إدراكاً أمريكياً بأن معادلات الأرض تظل مفتاح أي تسوية مستقبلية. فالقوة العسكرية، في السياق الليبي، ما زالت عاملاً حاسماً في رسم حدود النفوذ السياسي.

الجزائر أمام معادلة جديدة

بالنسبة إلى الجزائر، التي سعت خلال السنوات الماضية إلى تقديم نفسها كفاعل إقليمي مؤثر في الملف الليبي، فإن أي تقارب أمريكي مباشر مع شرق ليبيا يفرض قراءة دقيقة للتوازنات الجديدة. الجزائر، بحكم الجغرافيا والتاريخ، تعتبر الاستقرار الليبي جزءاً من أمنها القومي، لكنها تجد نفسها اليوم أمام مشهد دولي متحرك قد يعيد ترتيب الأدوار.

التحرك الأمريكي قد يُفهم كإشارة إلى أن واشنطن تفضل التعامل مع شركاء محددين على الأرض، ما يقلص هامش المناورة أمام أطراف إقليمية كانت تراهن على الوساطة السياسية الطويلة الأمد. ومع ذلك، تبقى الجزائر لاعباً لا يمكن تجاوزه بحكم حدودها المشتركة الطويلة مع ليبيا وثقلها العسكري في المنطقة المغاربية.

رسائل أبعد من ليبيا

التحركات في الشرق الليبي لا تتعلق بليبيا وحدها، بل تحمل رسائل إلى مجمل الإقليم. فالإدارة الأمريكية، سواء في عهد ترامب أو أي إدارة لاحقة، تنظر إلى شمال إفريقيا والساحل باعتبارهما فضاءً استراتيجياً يتقاطع فيه الأمن الطاقي ومكافحة الإرهاب والتنافس مع قوى دولية أخرى.

من هنا، يمكن قراءة هذه المناورات كجزء من إعادة تموضع أوسع، يسعى إلى منع تشكل فراغ أمني قد تستفيد منه أطراف أخرى. كما أنها تضع القوى الإقليمية أمام واقع جديد: من يملك تأثيراً ميدانياً ملموساً يصبح شريكاً مفضلاً في الحسابات الكبرى.

بين التصعيد والتسوية

مع ذلك، يبقى السؤال المركزي: هل يقود هذا الانخراط العسكري إلى مزيد من الاستقرار أم إلى إعادة إنتاج الانقسام؟ فليبيا ما زالت تعاني من انقسام سياسي ومؤسساتي عميق، وأي اصطفاف دولي حاد قد يعقّد جهود التوافق الوطني.

إن مستقبل التوازنات في ليبيا سيتحدد بقدرة الأطراف الداخلية على استثمار الدعم الخارجي في اتجاه بناء مؤسسات موحدة، لا تكريس الانقسام. أما إقليمياً، فإن المرحلة المقبلة تبدو مفتوحة على إعادة رسم خرائط النفوذ، في مشهد تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع رهانات الطاقة والجغرافيا السياسية.

في النهاية، ما يجري في الشرق الليبي ليس حدثاً معزولاً، بل فصل جديد في كتاب الصراع على النفوذ في شمال إفريقيا؛ كتاب لم تُكتب خاتمته بعد، لكنه يُكتب هذه المرة بحبر عسكري أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الأربعاء 18 فبراير 2026
في نفس الركن