وبحسب ما ورد في تصريحاته، فإن واشنطن تخوض حاليًا محادثات وصفها بـ”الجدية” مع ما اعتبره نظامًا إيرانيًا “أكثر عقلانية”، في إشارة إلى احتمال وجود قنوات تفاوض غير معلنة أو تحولات داخلية في طريقة التعاطي الإيراني مع الأزمة. هذا الخطاب يحمل في طياته محاولة مزدوجة: إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، مع رفع سقف التهديد في الوقت نفسه.
الرئيس الأمريكي تحدث أيضًا عن “تقدم هائل” في هذه المفاوضات، لكنه ربط هذا التقدم بمهلة زمنية ضيقة، محذرًا من أن أي تأخير أو تعثر قد يدفع الولايات المتحدة إلى الانتقال من مرحلة الضغط إلى مرحلة الفعل العسكري المباشر. وفي هذا الإطار، ربط بشكل صريح بين فشل الاتفاق واحتمال إغلاق مضيق هرمز، وهو ما اعتبره خطًا أحمر يستدعي ردًا قاسيًا.
ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة، بالنظر إلى الدور الاستراتيجي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية. أي اضطراب في هذا الممر لا ينعكس فقط على المنطقة، بل يمتد تأثيره إلى الأسواق الدولية وأسعار الطاقة، وهو ما بدأ يظهر بالفعل من خلال التقلبات المسجلة مؤخرًا.
وفي تصعيد إضافي، برر ترامب هذا التهديد بما وصفه بـ”الانتقام” لضحايا أمريكيين سقطوا خلال عقود من التوتر مع إيران، مستحضرًا سجلًا طويلاً من المواجهات غير المباشرة بين الطرفين. هذا التبرير يضفي بعدًا عاطفيًا وسياسيًا على القرار المحتمل، ويُخرج الخطاب من دائرة الحسابات الاستراتيجية البحتة إلى منطق الرد التاريخي.
ويأتي هذا الموقف في سياق أوسع من التوترات المتزايدة في المنطقة، حيث تتداخل عوامل عدة، من اضطرابات الملاحة في الخليج، إلى تصاعد الحضور العسكري، وصولًا إلى المخاوف من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة مفتوحة. في هذا الإطار، لا يمكن فصل التصريحات الأمريكية عن إعادة انتشار قوات وتعزيزات عسكرية في المنطقة، ما يعزز فرضية الاستعداد لسيناريوهات متعددة.
في المقابل، لا يخلو الخطاب الأمريكي من إشارات إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق، إذ أعرب ترامب عن قناعته بقرب التوصل إلى تسوية مع طهران، وهو ما يعكس ازدواجية واضحة في المقاربة: تفاوض من جهة، وتصعيد من جهة أخرى. هذه الازدواجية قد تكون جزءًا من استراتيجية ضغط تهدف إلى انتزاع تنازلات أكبر على طاولة المفاوضات.
كما أن حديثه السابق عن “تغيير النظام” في إيران يضيف بعدًا أكثر حساسية، إذ يفتح الباب أمام تساؤلات حول الأهداف الحقيقية للسياسة الأمريكية: هل يتعلق الأمر فقط بالبرنامج النووي والسلوك الإقليمي، أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي داخل إيران؟
في النهاية، يبدو أن المنطقة تقف على حافة مرحلة دقيقة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات التفاوض، في ظل سوق طاقي شديد الحساسية لأي اضطراب. وبين تهديد بتدمير شامل وإشارات إلى اتفاق قريب، تظل كل السيناريوهات مفتوحة، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القليلة المقبلة