حياتنا

بين التأديب والإهانة: هل أخطأ الأب أم أصاب؟


أثارت حادثة وقعت في إسبانيا موجة واسعة من النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أقدم أب على حلق شعر ابنته المراهقة كنوع من العقاب، إثر اكتشافه أنها كانت تمارس التنمر على إحدى زميلاتها في المدرسة التي تعاني من تساقط الشعر بسبب علاج طبي. وقد انقسمت الآراء بين من اعتبر تصرف الأب درساً عملياً في التعاطف وتحمل المسؤولية، وبين من رأى فيه عقوبة مهينة تتعارض مع أسس التربية السليمة.



لا شك أن التنمر من أخطر الظواهر التي تهدد التوازن النفسي للأطفال والمراهقين، خاصة عندما يستهدف أشخاصاً يعانون من ظروف صحية أو اجتماعية صعبة. فالفتاة التي كانت ضحية التنمر لم تختر مرضها ولا معاناتها، ومن الطبيعي أن يثير سلوك المتنمرة غضب والدها واستياءه. ومن هذا المنطلق، رأى البعض أن الأب حاول أن يجعل ابنته تدرك حجم الألم النفسي الذي تسببت فيه لزميلتها، وأن يشعرها ولو جزئياً بما قد يعنيه فقدان الشعر بالنسبة لفتاة في سن المراهقة.

غير أن فريقاً آخر اعتبر أن النية الحسنة لا تبرر الوسيلة، وأن التربية لا ينبغي أن تقوم على الإذلال أو التشهير، حتى وإن كان الهدف نبيلاً. فالعقوبات التي تمس كرامة الطفل أو صورته أمام الآخرين قد تترك آثاراً نفسية عميقة، وقد تدفعه إلى الشعور بالغضب أو الانتقام بدل مراجعة سلوكه وتصحيح أخطائه. كما أن التربية الحديثة تشدد على أهمية الحوار والتوعية وتنمية الذكاء العاطفي بدلاً من العقوبات القاسية.

وتطرح هذه الواقعة سؤالاً أعمق حول كيفية مواجهة ظاهرة التنمر داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع. فالمطلوب ليس فقط معاقبة المتنمر، بل مساعدته على فهم خطورة أفعاله، وتعليمه قيم الاحترام والتعاطف وقبول الاختلاف. كما أن الضحايا بحاجة إلى الدعم النفسي والحماية، حتى لا تتحول معاناتهم إلى جروح دائمة.

في النهاية، تبقى هذه الحادثة نموذجاً للجدل الدائم بين الحزم والتربية، وبين العقاب والتوعية. وقد تختلف الآراء حول تصرف الأب، لكن الجميع يتفق على أمر واحد: التنمر سلوك مرفوض يستوجب مواجهة حازمة، غير أن نجاح التربية يقاس بقدرتها على تصحيح السلوك مع الحفاظ على كرامة الإنسان واحترام مشاعره.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاثنين 22 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن