وبحسب معطيات تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد"، ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو المغرب بنسبة 91 في المائة خلال عام واحد، لتصل إلى 3.338 مليار دولار، مقابل 1.748 مليار دولار سنة 2024.
ولا تكتسي هذه الأرقام أهميتها فقط من حجم النمو، بل أيضا من السياق الإقليمي الذي جاءت فيه. ففي الوقت الذي تراجعت فيه تدفقات الاستثمار نحو إفريقيا بنسبة 26.3 في المائة، وانخفضت بشكل أكبر في منطقة شمال إفريقيا بنسبة 56.3 في المائة، تمكن المغرب من عكس الاتجاه، ليبرز كاستثناء اقتصادي في محيط يعرف الكثير من التحولات والضغوط.
هذا الأداء لم يكن نتيجة ظرف عابر، بل ثمرة اختيارات استراتيجية ركزت على بناء اقتصاد أكثر انفتاحا وجاذبية، يقوم على قطاعات صناعية ذات قيمة مضافة عالية، وعلى مشاريع كبرى تجعل المملكة جزءا من سلاسل الإنتاج العالمية.
ويأتي قطاع صناعة السيارات في مقدمة القطاعات التي عززت الثقة الدولية في المغرب، بعدما أعلنت مجموعة "ستيلانتس" عن مشروع استثماري ضخم بقيمة 1.5 مليار دولار، وهو المشروع الذي دخل ضمن قائمة أكبر المشاريع التأسيسية في القارة الإفريقية، مؤكدا مكانة المغرب كمنصة صناعية تنافسية.
كما شكل قطاع الطاقة المتجددة أحد أبرز عوامل الجذب، بعدما تحول المغرب إلى شريك استراتيجي في التحول الطاقي، مستفيدا من مؤهلاته في مجال الطاقات النظيفة ومشاريعه الرامية إلى ربط الإنتاج الوطني بالأسواق الأوروبية، وهو ما يمنح المملكة دورا متزايدا في مستقبل الاقتصاد الأخضر.
وتعكس الأرقام التراكمية حجم التحول الذي شهده الاقتصاد المغربي، إذ بلغ رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو 80.802 مليار دولار، بما يمثل حوالي 48.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما ارتفعت مساهمة هذه الاستثمارات في تكوين رأس المال الثابت إلى 7.5 في المائة، بما يؤكد دورها في دعم الاستثمار والإنتاج وخلق فرص الشغل.
ولم تقتصر الدينامية الاستثمارية على استقبال الرساميل الأجنبية، بل امتدت أيضا إلى حضور المقاولات المغربية خارج الحدود. فقد سجلت الاستثمارات المغربية نحو الخارج نموا بنسبة 19.4 في المائة لتصل إلى 813 مليون دولار خلال 2025، في إشارة إلى توسع حضور الشركات الوطنية في الأسواق الدولية.
كما شهدت عمليات الاندماج والاستحواذ تحسنا واضحا، بعدما انتقلت المبيعات الصافية إلى تسجيل 169 مليون دولار، في حين ارتفعت مشتريات المستثمرين المغاربة في الخارج بنسبة 244.9 في المائة، ما يعكس تنامي قدرة الفاعلين الاقتصاديين المغاربة على التحرك خارجيا.
ويؤكد هذا المسار أن المغرب لم يعد ينظر إليه فقط كسوق استهلاكية أو موقع جغرافي قريب من أوروبا، بل كمنصة صناعية وطاقية قادرة على جذب المشاريع الكبرى وربط القارات. فالجمع بين الاستقرار الاقتصادي، وتطور البنية التحتية، والانفتاح على القطاعات المستقبلية، جعل المملكة تعزز مكانتها في سباق عالمي لاستقطاب الاستثمارات.
غير أن التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة لن يكون فقط الحفاظ على جاذبية المغرب للاستثمار، بل ضمان أن تنعكس هذه الدينامية بشكل أكبر على الاقتصاد المحلي، من خلال خلق فرص الشغل، دعم المقاولات الوطنية، ونقل المعرفة والتكنولوجيا.
فالاستثمار الأجنبي ليس مجرد أرقام في التقارير، بل هو فرصة لبناء اقتصاد أكثر تنافسية وقدرة على مواجهة التحولات العالمية.