اقتصاديات

الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي: سنة أولى تؤسس لمرحلة جديدة من الدولة الاجتماعية بالمغرب


قدّمت الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي (ANSS)، التي أُنشئت أواخر سنة 2023 لتدبير ورش الدعم الاجتماعي المباشر، أول تقرير لها حول حصيلة عملها خلال سنة 2025، كاشفة عن حجم واسع من التحولات التي يعرفها هذا البرنامج الاجتماعي الكبير الذي أصبح يشكل أحد أعمدة الدولة الاجتماعية بالمغرب.



ويأتي هذا الورش في إطار تنفيذ برنامج الدعم الاجتماعي المباشر الذي أطلق سنة 2023، والذي انتقل من مرحلة التدخلات الاستعجالية إلى مرحلة الترسيم المؤسساتي، عبر بناء جهاز إداري وتقني حديث يضمن الاستمرارية والفعالية والشفافية في توزيع الدعم.

4 ملايين أسرة مستفيدة و12.5 مليون مواطن تحت مظلة الدعم

تكشف المعطيات الواردة في التقرير أن البرنامج أصبح يشمل حوالي 3.9 ملايين أسرة مغربية، أي ما يمثل نحو 42% من مجموع الأسر، ويستفيد منه أكثر من 12.5 مليون شخص.

ومن بين هؤلاء، يوجد حوالي 5.5 ملايين طفل دون سن 21 سنة، إضافة إلى 1.7 مليون مسن فوق 60 عاماً، ما يعكس الطابع الاجتماعي الواسع للبرنامج وتوجهه نحو الفئات الأكثر هشاشة.

كما بلغت القيمة الإجمالية للتحويلات الاجتماعية منذ انطلاق البرنامج ما يقارب 51 مليار درهم، أي ما يعادل حوالي 2% من الناتج الداخلي الخام، وهو ما يُعد من أعلى نسب الدعم الاجتماعي مقارنة بالعديد من الدول النامية.

توجيه دقيق للدعم نحو الفئات الأكثر هشاشة

يشير التقرير إلى أن نظام الاستهداف المعتمد، القائم على السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد، سمح بتوجيه حوالي 84% من الدعم نحو الفئات الأكثر فقراً ضمن أول ثلاث فئات اجتماعية.

كما أظهرت البيانات تقارباً كبيراً بين توزيع الدعم وخريطة الفقر متعددة الأبعاد، ما يعكس فعالية أكبر في توجيه الموارد العمومية نحو المناطق الأكثر احتياجاً.

تحول رقمي معقد وضمانات لحماية المعطيات

خلال سنة 2025، ركزت الوكالة بشكل كبير على إعادة هيكلة أنظمتها المعلوماتية، من خلال نقل تدبير البرنامج تدريجياً من الصناديق السابقة إلى نظام معلوماتي موحد، مع اعتماد خطة انتقالية تدريجية لتفادي أي انقطاع في صرف الدعم.

كما تم اعتماد بنية سحابية وطنية لحماية البيانات، في وقت تشدد فيه الوكالة على أهمية حماية المعطيات الشخصية لملايين المستفيدين، بالنظر إلى حجم المعلومات الحساسة التي يتم التعامل معها شهرياً.

التجربة الميدانية: نموذج جديد في مدينة الجديدة

من أبرز مستجدات السنة الماضية إطلاق أول تمثيلية ترابية نموذجية بمدينة الجديدة، في خطوة تهدف إلى تقريب الإدارة من المواطنين، وعدم الاكتفاء بالرقمنة فقط.

وتعتمد هذه التجربة على مقاربة مزدوجة تجمع بين التكنولوجيا والمواكبة الاجتماعية، عبر أطر ميدانية مخصصة لمرافقة الأسر وتقديم الدعم المباشر.

كما أطلقت الوكالة برامج تجريبية مرتبطة بتمكين الشباب من الاندماج المهني وتشجيع تمدرس الأطفال، عبر دعم مالي مشروط بالتحاق الأطفال بالمدرسة واستمرارية تعليمهم.

نحو ربط الدعم الاجتماعي بالتمكين الاقتصادي

تكشف المعطيات أن نسبة كبيرة من المستفيدين يعبرون عن رغبة في الانتقال من الدعم إلى الاستقلال المالي، حيث أبدى حوالي 60% استعدادهم للتخلي عن الدعم في حال توفر فرصة عمل مستقرة.

هذا المعطى دفع الوكالة إلى التفكير في آليات جديدة تربط الدعم الاجتماعي بسياسات التشغيل والتعليم، بهدف تحويله من مجرد مساعدة مالية إلى رافعة للاندماج الاقتصادي.

دعم خاص للأيتام وبرامج ادخار اجتماعي

ضمن الإصلاحات الاجتماعية الجديدة، تم إطلاق برنامج خاص بالأطفال الأيتام داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية، حيث يتم إيداع دعم شهري في حسابات خاصة باسم كل طفل لدى مؤسسة مالية عمومية، على أن يتم الاحتفاظ به إلى غاية بلوغ سن الرشد.

وتتيح هذه الآلية تكوين رأسمال مستقبلي قد يصل إلى حوالي 100 ألف درهم لكل طفل، ما يشكل تحولاً نوعياً في طريقة التعاطي مع الفئات الهشة.

تحديات مطروحة رغم النتائج الإيجابية

رغم النتائج الإيجابية، أشار التقرير إلى وجود بعض التحديات، أبرزها الفجوة بين نسب التمدرس المصرح بها ونسب التمدرس الرسمية، ما يطرح إشكاليات مرتبطة بالدقة في التصريحات أو بانقطاع بعض الأطفال عن الدراسة.

كما تعمل الوكالة على توسيع انتشارها الترابي تدريجياً، بهدف تغطية مختلف جهات المملكة، مع إعطاء الأولوية للمناطق الداخلية والأكثر هشاشة.

نحو نموذج مغربي للدولة الاجتماعية

في المجمل، يبدو أن الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي تمكنت خلال سنة واحدة فقط من إرساء أسس نظام اجتماعي واسع النطاق، يعتمد على التحويلات المالية المباشرة، مع محاولة إدماج البعد التنموي عبر التمكين الاقتصادي والاجتماعي.

ويُنظر إلى هذا الورش باعتباره أحد أكبر مشاريع الدولة الاجتماعية في المغرب، حيث لا يقتصر على الدعم المالي، بل يسعى إلى بناء مسارات للخروج من الفقر، في أفق ترسيخ نموذج اجتماعي أكثر عدلاً وشمولاً.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الخميس 11 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن